لا يغالي البعض في القول إن انتشار الجيش في طرابلس وعودة الهدوء الى محور المناوشات الابدية بين جبل محسن وباب التبانة ليس اكثر من هدنة قد تطول او تقصر وفق ما تفرضه وتيرة الانقسامات اللبنانية وخصوصاً الآن مع لفح رياح الازمة السورية التي ستستمر اكثر مما يظن الكثيرون. ومع الواقع اللبناني المأزوم، لا يمكن الحديث عن تفصيل حل لطرابلس وحدها، فهي ليست جزيرة معزولة بل صارت مدينة التماس المشرقط بين "اهل السنّة" من جهة والعلويين المدعومين من "أهل الشيعة" من جهة اخرى، واذا اضفنا الى هذا تاريخاً من الكراهية بينها وبين النظام السوري يمكن القول إنها الفتيل الجاهز للاشتعال في اي لحظة.
هذا الواقع يفترض ألا يكون خافياً على احد من المسؤولين، وخصوصاً الرئيس نجيب ميقاتي ابن المدينة ووزرائه الطرابلسيين الاربعة، ولكن ميقاتي اذهل الناس عندما قال اول من امس، بعد اربعة ايام على الاشتباكات التي اوقعت قتلى وجرحى وهددت بتفجير واسع في البلاد: "إن قرار ادخال الجيش الى منطقة الاشتباكات امر دقيق لأن وضعه في مواجهة افرقاء في طرابلس مرفوض قطعاً"!
رغم الاختلاف الكبير في الوقائع والاحداث ذكّرنا كلام ميقاتي بموقف الرئيس رشيد كرامي الذي رفض انزال الجيش عام 1975 خوفاً عليه من الانقسام وكان ما كان. لكن عندما طمأننا الى انه سيترشح للانتخابات ادركنا سبب التردد الذي استمر اياماً قبل تكليف الجيش ضبط الوضع!
لا، ليس هكذا تكون المسؤولية والسهر على بلد يقف عند حافة بركان له فوهاته المحلية والسورية والاقليمية. ولانني ذهبت الى الذكريات، من المفيد التذكير بأهمية وعي المسؤول وسهره على البلد حتى لو لم يكن في السلطة. ففي كانون الاول من عام 1999 كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد ابعد عن السرايا بقرار من الرئيس حافظ الاسد نفذه الرئيس اميل لحود، ولكن عندما اندلعت احداث الضنية كان حازماً في الدعوة الى حسم الامر "لأن من المرفوض التعدي على الدولة واللعب بالامن، ولأن مشروعنا هو مشروع الدولة اياً كانت الاحوال". وعلى سبيل التذكير ايضاً، ان الرئيس سعد الحريري الذي ابعد عن السرايا بانقلاب قسري، والذي يبتعد مرحلياً عن الساحة اللبنانية لأسباب امنية يعرفها الجميع، وصل الليل بالنهار في الايام الماضية، فسارع الى اصدار بيانه الذي سحب الغطاء عن كل مظاهر الخروج على الدولة، مذكراً بأن "الدولة كانت ولا تزال مشروعنا السياسي الوحيد"، رافضاً معالجة الخطأ بخطأ اكبر منه وداعياً الجميع الى التبصر والهدوء. ثم اقام جسراً من الاتصالات مع الرؤساء والمسؤولين وقائد الجيش ومفتي طرابلس وفعالياتها، مشددا على ضرورة الوضع وبسط هيبة الدولة واعادة الهدوء واقفال الباب أمام الفتنة التي لن تحرق طرابلس وحدها لا سمح الله بل لبنان من الناقورة الى النهر الكبير.
فقط على سبيل التذكير… والمقارنة!