كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار":
يشي تجدد الاشتباكات في طرابلس أمس، بعد بلوغ المعالجات السياسية والعسكرية ذروتها بإنتشار الجيش في المناطق الرئيسية في المدينة، بأن محاولات تنفيس الاحتقان التي سعت اليه القيادات السياسية والامنية وحتى المعارضة لم تؤد مفاعيلها، وخصوصا ان هذه المحاولات ركزت على الاسباب الظاهرة للأزمة أو المسببة لها ولم تلامس عمقها الحقيقي.
فبعدما حدد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عوامل ثلاثة وراء تفجير الوضع الامني في طرابلس وتتمثل بقضية "الموقوفين الاسلاميين من دون محاكمة وطريقة توقيف شادي مولوي والحالة المزمنة بين باب التبانة وجبل محسن"، غافلا العامل السوري الذي لم يشر اليه إلا جوابا عن سؤال صحافي، لم تخفف تطمينات ميقاتي ومن بعده وزير الداخلية مروان شربل بقرب صدور القرارات الظنية في شأن الموقوفين وتوقع الافراج عنهم "بعدما أمضوا مدة محكوميتهم قبل محاكمتهم"، على ما قال ميقاتي، وطأة الاجواء الضاغطة شمالا بما أن المعالجات لا تزال ظرفية وشكلية ولم تطل جوهر المشكلة. وتقول مصادر مطلعة في كتلة "المستقبل" إن زيارة رئيسها فؤاد السنيورة والاعضاء لطرابلس واللقاءات التي عقدوها مع فاعليات المدينة وأبنائها كشفت معطيات "جديدة ومقلقة" كما وصفتها المصادر. وبعض هذه الوقائع أثار القلق من احتمال تعرض طرابلس للمزيد من المشاكل بحيث لا تكون الحوادث التي شهدتها أخيرا الا حلقة أولى في مسلسل متكامل تتكشف وقائعه تباعا.
وتتقاطع روايات نواب المنطقة مع تلك الصادرة عن شخصيات طرابلسية وشمالية تعاين الوضع المحلي عن كثب. ويمكن الوقوف عند مجموعة من الملاحظات التي سجلتها المصادر إنطلاقا من تلك الوقائع والمعطيات:
– إن الاحتقان الناجم عن قضية الموقوفين الاسلاميين منذ حرب نهر البارد تطور وتفاقم وتحول غليانا في الشارع الاسلامي اثر صدور قرار إطلاق العميد المتقاعد فايز كرم المتهم بالعمالة مع إسرائيل، بحيث نال عقوبة مخففة في حين أن الموقوفين الاسلاميين أمضوا في السجن ما يتجاوز مدة الاحكام التي سينالونها.
– بدت طرابلس قبل يومين من اعتقال مولوي مدينة مكشوفة سياسيا وأمنيا، إذ لوحظ ظهور مسلح في شوراعها سبق الاعتقال، كما شوهدت إطارات معدة للحرق في الشوارع من دون أي تدخل أمني لوقف هذه المظاهر، مما طرح علامات إستفهام حول ما كان يحضّر للمدينة على مرأى من كل القوى والسلطات الرسمية.
– فيما سلطت الاضواء على عملية توقيف مولوي واتهامه بانتمائه الى تنظيم إرهابي، حامت ظلال من الشك حول الشخص الاردني الذي أكدت المعلومات المتوافرة لـ"تيار المستقبل" أن ملفه مثقل بالشبهات والاتهامات خلافا لوضع مولوي. كما أفادت المعلومات المنقولة عن المصادر "المستقبلية" عينها أن الاردني كان موجودا في سوريا وانتقل منها الى لبنان بطريقه الى الاردن، مما طرح سؤالا عن سبب عدم توقيفه في سوريا.
– تعزز المصادر معطياتها بالاستناد الى ما بلغها من أحد الاجهزة الديبلوماسية الغربية عن صحة المعلومات عن ضلوع جهاز امني غربي في المساعدة على اعتقال مولوي. إذ أفادت المعلومات أن المطلوب هو الشخص الاردني، والتركيز كان منصبا على تعقبه باعتبار أنه مطلوب من أكثر من جهاز غربي.
– سمع رئيس كتلة "المستقبل" واعضاؤها أكثر من رواية عن وجود مجموعات محددة من مدرسين دينيين أو شخصيات تتمظهر بالدين وتتقاضى تمويلا ثابتا من "حزب الله"، وقد بدت عليهم مظاهر الثراء والبحبوحة وباتوا يعتمدون المواكب والحماية في تنقلاتهم، ويدلل عليهم أبناء المدينة بالاسم والعائلة. وترى المصادر في ذلك مؤشرا خطيرا يتمثل في وجود مجموعات سياسية وعسكرية بلافتات دينية سنية في المدينة قادرة على خوض عمليات أمنية وعسكرية منظمة.
ويؤمن أصحاب هذه الروايات بنظرية مفادها أن الهدف من هذه الحركات الدينية تعميم الحالة القائمة في سوريا على لبنان، بحيث لا تكون سوريا في مواجهة مع ثورة شعبية بل مع تنظيمات إرهابية مسلحة يخوضها النظام، إلى جانب حالة مماثلة يخوضها نظام حليف في لبنان بعد ان تكون طرابلس قد تحولت – بفعل تنامي الحركات الاسلامية والاصولية فيها – أرض نصرة وتحضير وإسناد للقاعدة. وليست تطمينات وزير الداخلية أمس من طرابلس الى عدم وجود تنظيم "القاعدة" في المدينة إلا لقطع الطريق على هذا السيناريو الذي يرمي إلى دفع القوى السلفية الى الشارع وإخراجها عن عنوان الاعتدال تحت عباءة "تيار المستقبل" الى عنوان التطرف.
وإذ تبدي المصادر قلقها العميق مما يُحضر للبنان من بوابة الشمال ، تعتقد أن ما يحصل ليس الا البداية، وأن الامور تتجه إلى مزيد من التأزم، محذرة من مخاطر حصول إختراقات للحدود اللبنانية – السورية. وقد دعت إلى ترقب حركة الاتصالات والمواقف السياسية المرتبطة بطرابلس، متوقفة عند مشهدين برزا في اليومين الأخيرين: الحركة النشطة للرئيس عمر كرامي وإعلان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ترشحه للإنتخابات النيابية، وهو مؤشر يؤكد في رأيها أن ميقاتي انتقل من الموقع الوسطي المحايد إلى الانخراط في المواجهة، مما يطرح السؤال: هل تصمد سياسة النأي التي تعتمدها الحكومة وتتمسك بها إبعادا لـ"الكأس السورية المرّة" على ما قال ميقاتي نفسه أمس أمام الصحافيين؟