لا تسمح محنة وطنية كتلك التي ترزح تحتها طرابلس بأي هبوط هزلي مثل انفتاح شهية سياسية رخيصة على تصيّد مكاسب او ارباح او انتصارات وهمية.
ولعلها مهزلة حقيقية فعلا، ان يظن راتعون في مربع حسابات سطحية ان هذه المحنة ستفضي الى رابح وخاسر في السياسة. في اقل الافتراضات الواقعية القاسية، هذه المحنة هي حرب اهلية مصغرة، تجاوزت عبرها ثاني اكبر المدن اللبنانية واقع "البؤرة" الى خطر الحرب المفتوحة. ولا ندري اذا كان اي لبناني لا يزال جاهلا في "علم" الحروب الاهلية وخلاصاتها ونهاياتها المأسوية، وكم يخرج منها ابطال ومنكسرون.
في اقل من اسبوع من المحنة بنسختها المحدثة لم يبق طرف واقفا على رجليه، وكل تصوير لبطولات وعنتريات ونجوميات في هذه الواقعة هو اشبه بالضحك على الذات الذي سيكلف اصحابه الكثير والاكثر بعد. سواء كانت محاولة متقدمة لتصدير الازمة السورية عبر البوابة الشمالية او مجرد تفاعل كيميائي داخلي لعناصر قابلة للتوظيف والاشتعال، ليس في طرابلس بل لم يعد فيها موطئ قدم لمكسب مزعوم.
هذا المشهد المتمادي في المدينة يبتلع نجومه ويسقطهم قبل المتفرجين. لن يطول الوقت ليكتشف الاسلاميون انهم في مقدم الضحايا لفرط ما يجري توظيفهم واستغلالهم. ولم يطل الوقت ابدا لتكتشف القوى التقليدية مقدار جسامة التهميش الذي وقعت فيه واوقعها الآخرون فيه لعجزها عن الامساك بناصية المدينة. ولم يخرج الجهاز الامني بصورة مشرقة ولو حصد دعم الدولة اذ لم يغب عن المشهد تنافس الاجهزة والالتباس الدائم في طرائق عملها والمزج الحاد بين القانوني والسياسي والطائفي في واقعها الاشبه باقطاعات امنية مستتبعة للانقسام في صلب الدولة.
ولا 14 آذار ولا 8 آذار ولا القوى الوسطية التي تبدو جميعها لوهلة كأنها في نادي المنتظرين، تجرؤ على زعم امتلاك قدرة على السيطرة على هذه الفوضى او وهم التوظيف او الاستثمار فيها. حتى حديث الانتخابات ووهم موازين القوى وتثبيتها او كسرها، صارا امام المحنة كحنين الى ايام خوال لا الى آفاق الغد. فمن تراه الآن يملك ضمانات قاطعة في العبور الآمن الى استحقاق ديموقراطي امام هذا الزحف الفوضوي؟
وسواء صحت "النبوءات" باغتيالات تدبر في وضح النهار لا في الليل هذه المرة، ام لم تصح، ما معنى ان يتحسس الزعماء رؤوسهم في لحظة خوف تعمم قصدا او عفوا هنا وهناك عند مشارف سنة انتخابية مفترضة؟
في اقل من اسبوع تكفي هذه النماذج وكثير سواها مما تتسع له هذه المحرقة لأبطالها وسائر المتفرجين. ولم يحن الوقت بعد لحصر الاضرار والضحايا وفي مقدمها ما يتراءى لبعضهم انه مكاسب.