استشعر رئيس مجلس النواب نبيه برّي أمس خطراً داهماً يُحدق بمصير لبنان بكل مناطقه، الأمر الذي دعاه بعد لقائه السفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري إلى دعوة أقطاب طاولة الحوار التي لم تلتئم منذ قرابة العامين إلى اجتماع برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بهدف إيجاد معالجة سريعة للأزمات التي تعصف بالبلد وخصوصاً في الشمال.
وفي هذا الإطار، يذكّر وزير المهجرين علاء الدين تروّ بأنّ "الرئيس بري كان أوّل من دعا إلى إطلاق طاولة حوار من أجل معالجة القضايا العالقة في لبنان، وكان لرئيس الجمهورية دور بارز في هذا الصدد"، متمنّياً "استجابة الجميع في العودة إلى طاولة الحوار لما فيها خير لجميع اللبنانيين على حد سواء".
ويشدّد ترو على أنّ "جبهة النضال الوطني كانت دائماً من الداعين إلى الحوار وكنّا نشجّع كل الأفرقاء السياسيين في لبنان من أجل التواصل والعودة إلى الحوار من دون شروط مسبقة، لأنّ الحوار وحده يحمي السلم الأهلي ويصنع خطوط تواصل بيننا وهذا هو الأهم في هذه المرحلة الصعبة". ويلفت ترو إلى أنّ النائب وليد جنبلاط يدعو في لقاءاته مع جميع المسؤولين في "حزب الله" وتيار "المستقبل" إلى العودة إلى طاولة الحوار، "وهو دائماً يقول أن لا خلاص للبلد إلا من طريق الحوار والتواصل بين الجميع"، عازياً تشاؤم جنبلاط إلى "انقطاع الحوار بين اللبنانيين، الأمر الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من نزاعات وخصومات لا جدوى منها سوى إدخال لبنان في أزمات مستعصية".
ويوضح ترو أنّ "جنبلاط مستاء جداً من بعض التصاريح التي تطاول رئيسَي الجمهورية والحكومة من هذا الفريق أو ذاك، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى الحوار والتضامن في ما بيننا لمواجهة كل الحالات الشاذّة التي ينوي البعض تصديرها إلينا"، مشدّداً على الدور الإيجابي الذي تؤدّيه السعودية لتكريس عامل الاستقرار، "وهي لطالما عملت من دون مقابل في سبيل إيصال لبنان إلى برّ الأمان"، أملاً في "مزيد من الدعم السعودي خصوصاً أنّنا نمرّ في ظروف صعبة، وما يحصل في طرابلس خير دليل".
من جهته، يشدّد مصدر في "حزب الله" لـ"الجمهورية" على أنّ "الحوار هو مبدأنا الأساسي ولن نتراجع عنّه لأيّ سبب كان، ورئيس مجلس النواب انطلق من هذه الدعوة لتلمّسه مدى خطورة الوضع، ومن هنا أراد السعي إلى لملمة الأمور قبل تفاقمها"، مشيراً إلى أنّ "ما يحصل في طرابلس لا يبشّر بالخير خصوصاً أنّ البعض لا يريد الاستماع إلى لغة العقل والابتعاد عن التشنجات الحاصلة".
ويجزم المصدر بأنّ "حزب الله ليس طرفاً في النزاع الذي حصل في طرابلس، والكلام الدائم عن سلاحه يخدم المشروع الإسرائيلي ويراد من خلاله جرّ البلد إلى أتون حرب مذهبية، لن ننجرّ إليها مهما علا صوتهم"، لافتاً إلى أنّ "للسعودية دوراً بارزاً ومساعداً على التهدئة، ونحن نعّول دائماً على مواقفها الحكيمة والشجاعة، ومن هنا نقول إنّ كل من يدعو إلى التهدئة والحوار وإلى التقارب بيننا كلبنانيّين نحن معه ومستعدون للقيام بكل ما يتوجّب علينا لإنجاحه، فهذا هو مبدأنا العام ولن ننجرّ إلى أي فتنة لا تخدم سوى العدو الإسرائيلي".
أما عضو كتلة "المستقبل" النائب أحمد فتفت فيقول لـ"الجمهورية" تعليقاً على كلام برّي: "ليس من الضروري أن يتوجّس من عواقب سيئة في كلّ لبنان، إذا كان البعض يدعم الحكومة مثلما تفعل المعارضة في الشمال. وإذا كان للحكومة موقف جريء يدعو إلى نزع السلاح في طرابلس، عندها لا يوجد داع لقلقه إلّا في حال كان هو صدى لكلام تهديدي سوري خصوصاً بعد الذي سمعناه أمس الأول من السيد رفعت عيد".
ويشدّد فتفت على "أنّنا لسنا نحن من أوقف الحوار، بل "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، لأنّهما رفضا النقاش في موضوع الإستراتيجيّة الدفاعية"، مضيفاً: "اتّفقنا على موضوع المحكمة الدولية وتراجعوا عنه، اتّفقنا على ترسيم الحدود مع سوريا أيضاً وتراجعوا عنه، كما أجهضوا ما اتفقنا عليه بالنسبة إلى السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات"، مشيراً إلى أنّ بقاء "حزب الله" على سلاحه "هو السبب الرئيسي لانتشار السلاح في كلّ لبنان، خصوصاً أنّه يدعم هذا الانتشار في الشمال عبر دعمه لحركة التوحيد الإسلامي والحزب العربي الديمقراطي".
ويلفت فتفت إلى أنّ "عندما يصبح الحزب مستعدّاً لتسليم سلاحه من منطلق الاعتراف بالدولة كمرجع وحيد للسلاح، عندها سنكون مستعدين لأيّ نقاش في دعوة برّي"، مضيفاً: إنّ المسؤولين في المملكة العربية السعودية يدركون جيداً من نسَف الاتفاق الأول، وأنا اقصد هنا الجانب السوري ومن يدور في فلكه".
ويشدّد فتفت في المقابل على دور السعودية البارز "في تكريس عامل الوحدة والاستقرار في البلد، ولا يمكن لأحد جرّها إلى أمور ترى أنّها لا تخدم الوحدة الوطنية".
بدوره، يؤكّد عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب علي خريس لـ"الجمهورية" أنّ "ما يحصل في طرابلس أمر غير طبيعي، وهذه المناوشات اليومية تحتاج إلى حوار بين جميع مكونات البلد، ولا بدّ لفاعليات طرابلس والشمال أن تتدارك خطورة الوضع وتسرع إلى وضع طريق عمل يؤدّي في نهاية المطاف إلى كلمة واحدة تعبّر عن رفضها التقاتل بين أبناء المنطقة الواحدة"، جازماً بأنّ دعوة الرئيس بري إلى طاولة حوار "نابعة من مدى إحساسه بخطورة الوضع الأمني عموماً".
ويعتبر خريس أنّ "الإشكالات التي تتكرّر بين الحين والآخر في طرابلس هي بين لبنانيين وليس بين غرباء، ومن هذا المنطلق علينا العمل جميعاً لتفادي انتقالها إلى أماكن أخرى، وهذا لن يحصل إلّا من خلال طاولة حوار برئاسة رئيس الجمهورية"، واصفاً منطقتَي باب التبّانة وجبل محسن بـ"المكان المتوتر والقابل للاشتعال والتفجير في حال لم يصار إلى التهدئة الفورية".
ويعرب خريس عن تأييد "تنفيذ كلّ ما سبق وتمّ الاتفاق عليه في طاولة الحوار"، ورفض "كلّ المظاهر المسلحة التي رأيناها مؤخراً في شوارع طرابلس"، متوجّهاً بالسؤال إلى تيار "المستقبل": "من قال لكم إنّنا ضدّ تنفيذ مقررات طاولة الحوار؟"
ويوضح أنّ لقاء برّي والسفير السعودي "ينبع من حرص المملكة العربية السعودية على عامل الاستقرار في لبنان لما تمثّله على المستوى الوطني والشعبي، كما يمكن لها أن تؤدّي دوراً بارزاً في لمّ الشمل لأنّها تحظى باحترام جميع الأفرقاء من دون منازع"، مشدّداً على أنّ "السعودية ليست طرفاً في ما يحصل من انقسامات بيننا كلبنانيين، وهذا ما يظهر من خلال محاولاتها الدؤوبة لفضّ النزاعات بين مختلف الأطراف".
من جهته، يؤيّد عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب شانت جنجنيان، في اتصال مع "الجمهورية"، دعوة برّي أقطاب الحوار إلى اجتماع يُخصّص لما يجري في عاصمة الشمال. وإذ يعتبر أنّ "الأحداث الأليمة في طرابلس قد تشكّل الشرارة التي تحفّز جميع الأقطاب، وسط التباعد القائم وانعدام عنصر الثقة في ما بينهم، على التلاقي والاجتماع في سبيل الاتفاق على حلّ جذري يضع حدّاً لكل المشاكل والمخاطر التي يتخبّط فيها البلد، ومن منطلق أنّه يجب علينا عدم ترك لبنان يحترق ونبقى مكتوفي الأيدي"، يؤكد جنجنيان "ضرورة أن لا يقتصر برنامج العمل على مجريات الأحداث في طرابلس، بل أن يتعدّاها إلى إيجاد حلّ يشمل كل المناطق اللبنانية، وبالتالي وضع القطار على السّكة الصحيحة". ويدعو إلى "تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده وعلى رأسها حلّ الميليشيات ونزع السلاح من كلّ المناطق بما فيه سلاح حزب الله".
بدوره، يؤكّد عضو كتلة "الكتائب اللبنانية" النائب فادي الهبر لـ"الجمهورية"، دعمه دعوة بري إلى الحوار، مقترحاً "تجديد طاولة حوار عام 2006 بأقطابها الثمانية برئاسة الرئيس سليمان"، معتبراً أنّها "أعدّت، بمجرد لقائها، برنامجاً تمّ التوافق على عدد من البنود الاستراتيجية فيه، وعلى رأسها المحكمة الدولية. وبالتالي، أثمرت بعض النتائج في ذلك الوقت ولو أنّها كانت جزئية وتعذّر تطبيقها لاحقا". ويرى الهبر أنّه "وحتى تكون هذه الطاولة مجدية وفعّالة، يجب أن يتصدّر برنامج عملها موضوع نزع السلاح من كل المدن بما فيه سلاح "حزب الله"، ووضعه في عهدة الجيش اللبناني، ويتبعه الدعوة إلى إقالة هذه الحكومة الأحادية بغية الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية أيّاً كان شكلها". ويلفت إلى وجوب "أن يتضمن البرنامج بنداً ينص على ترسيم الحدود لحماية لبنان، فضلاً عن الحديث عن تثبيت الكيان اللبناني وتثبيت الأمن وعودة الاستقرار في ظل الحرب الساخنة التي تشهدها سوريا، ما يشكل بداية فعلية لتحييد لبنان عن كلّ ما يحدق به من مخاطر تهدّده في المنطقة".
ويضيف الهبر: "لا شك في أنّ السلاح في يد الشعب يشكّل حالاً معينة ومربعاً أمنياً للاستفزازات، وأنّ المشكلة في طرابلس مزمنة وقد تستغل من خلال ما يجري في سوريا"، مشيرا إلى أنّ "طرابلس أصبحت اليوم منطقة لتبادل الرسائل السياسية، وهذا التبادل أصبح حرباً ساخنة في المناطق السورية"، لافتاً إلى أنّ "كل المناطق اللبنانية تشهد من جهتها حرباً باردة في ظلّ عدم الاستقرار في المنطقة". ويشدّد الهبر على أن "الحكومة اليوم عاجزة، وهي غير قادرة على ضبط الوضع والإمساك به، فهي تخدم فقط المصالح السورية والإيرانية في لبنان"، مشيراً إلى أن "اعتماد الحكومة سياسة النأي بالنفس لا يوحي بالمصداقية في ظلّ دعم "حزب الله" للنظام السوري الداعم لهذه الحكومة".
وإذ يعلن "أنّنا لا ننسى أنّ الرئيس بري كان طرفاً وشريكاً أساسياً في عملية الانقلاب على حكومة الرئيس الحريري عام 2010"، يقول: "لكنّنا نشكر مبادرته اليوم للدعوة إلى الحوار بين جميع الأطراف اللبنانية، عسى أن يكون جدّياً وتأسيسياً".
وعن تزامن دعوة بري إلى الحوار مع زيارة السفير السعودي له، يشدّد الهبر على أنّه "لطالما كانت المملكة العربية السعودية من الدول الصديقة والمتميزة على مستوى الدول العربية الخليجية، ولطالما كانت داعمة لاستقرار لبنان وسيادته، وساعدته مادّياً ومعنوياً طوال الفترات السابقة"، مشيراً إلى دعمها لاتفاقَي الطائف والدوحة.
وإذ يتوقف عند الصراع الإيراني – الخليجي، يحذّر الهبر من أنّ "ناقوس الخطر يدقّ اليوم مع تمدّد السلطة الإيرانية ما يستوجب على المملكة تأكيد مساندتها المستمرّة لنا". ويختم الهبر بالسؤال: "هل يستجيب "حزب الله" للدعوة إلى تسليم سلاحه لوضع لبنان على سكة الأمان والاستقرار؟"
في المقابل، يأسف عضو تكتل "التغيير والإصلاح" النائب زياد أسود "لما تشهده طرابلس من أحداث تدعو إلى الخجل"، محمّلاً "مسؤولية ما يحصل لكلّ من رئيسَي الجمهورية والحكومة، ولكلّ من يشارك في تعطيل دور الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية".
ويرى أسود أنّ "أهداف السلاح غير الشرعي أصبحت واضحة اليوم"، مشدّداً على أنّ "معارك طرابلس تثبت أن لا دولة في لبنان". وإذ يؤكد أنّ "قرار ممارسة السلطة لا يحتاج إلى الاجتماع والحوار"، لافتاً إلى أنّ "القرار يجب أن يرتكز على ضبط الأمن ووقف المشاغبين ومنع تهريب السلاح وضبط المرافئ ومنع أيّ تدخل أجنبي"، يدعو الحكومة إلى "الاستقالة قبل لقائها على طاولة حوار، فلا جدوى من أيّ اجتماع أو حوار قد يحصل، خصوصاً ونحن نعي سلفاً أنّنا لن نتوصّل إلى أيّ نتيجة".
