#dfp #adsense

الأورو والدولار والأزمة العالمية

حجم الخط

كتب مروان اسكندر في صحيفة "النهار":

انتباه المضاربين والمستثمرين مشدود الى سعر صرف الاورو والتطورات المرتقبة في اقتصادات الدول الـ17 التي يمثل الاورو عملتها.

ونتيجة الانتخابات الاميركية مرتبطة بمعدل البطالة – الذي تحسن الى 8,1 في المئة حديثاً – ومعدل نمو الاقتصاد الاميركي.

وتشهد الدول الاوروبية مداً وجزراً بين المانيا، البلد الاوروبي الاكبر اقتصادياً، وغالبية البلدان الاخرى، ومن هذه بلدان تسعى جاهدة الى التزام شروط سياسة تقشف تصر عليها المانيا، والبلدان الاكثر معاناة من حيث شدة المعاناة، اليونان، والبرتغال، واسبانيا، وايرلندا، وايطاليا، وربما فرنسا التي أسفرت الانتخابات الرئاسية منها عن فوز المرشح الاشتراكي الذي اوضح خلال حملته الانتخابية انه سيسعى الى تعديل الاتفاقات المالية التي صيغت بنفس المانيا.

وتتجه أكثر تعليقات الاقتصاديين المرموقين وبعض كبار المسؤولين في المصرف المركزي الاوروبي، والاتحاد الاوروبي، ومن هؤلاء بول كروغمان الاميركي الحائز جائزة نوبل للاقتصاد منذ سنوات، الى تخفيف شروط التقشف، واتباع سياسات توسعية تشابه ما اختاره الرئيس اوباما، والذي حقق نتائج على صعيد النمو وارتفاع قيم الموجودات افضل مما تحقق في اوروبا.

واستناداً الى تقديرات مجلة "الايكونوميست" المعروفة لن تتجاوز الدول الاوروبية محنتها ما لم يتدنّ سعر صرف الاورو الى 1,20 للدولار، ذلك ان هذا السعر يشجع الصادرات الاوروبية ويسهم الى حد ما في زيادة معدل التضخم ولو بنسبة بسيطة، الامر الذي يبرهن عن تنامي الطلب على الاستهلاك وعلى الاستثمار في آن واحد.

والالمان، على اهميتهم الاقتصادية وعلى رغم هوسهم المعروف بالتضخم، باتوا يدركون ان المنهجية الاوروبية في حاجة الى تعديل جذري، والمستشارة ميركل التي بدأت تفقد الاكثرية في انتخابات محلية تدرك ان أي انفصام في الرؤية الاقتصادية مع فرنسا من شأنه ان يؤدي الى انفراط عقد الاورو، الامر الذي يعني ان السوق الاوروبية التي اقرت الوحدة النقدية في ماستريشت عام 1989 وحققتها مع بداية 2002 ستخسر ميزة الوحدة النقدية، ومن ثم تتوسع رقعة سيطرة الدولار والولايات المتحدة على مجريات الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد الألماني هو رابع اقتصاد في العالم من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان، نتيجة اندماج المانيا الشرقية بالمانيا الغربية. وهذا الاندماج تحقق بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وكانت تقديرات كلفة الاندماج مبدئياً توازي 160 مليار مارك، لكن الواقع كان غير ذلك. فعملية الاندماج التي استمرت على الاقل حتى عام 2002 بلغت تكاليفها 1600 مليار مارك، ومن اجل مواجهة هذه التكاليف من دون التعرض لمخاطر التضخم، رفعت حكومات المانيا الغربية معدلات الفائدة على المارك طوال 12 سنة وكان المارك بمثابة العملة الاوروبية المرجعية. ذلك ان تحرير الاسواق المالية اواسط الثمانينات افسح في المجال لتدفق الاستثمارات والودائع الى البلدان التي تحوز فرصاً استثمارية جيدة وعملات مستقرة. والمانيا حققت هذه النتيجة على حساب شركائها في السوق المشتركة الذين اضطروا الى رفع معدلات الفائدة على فترة 12 سنة وقد عانوا انخفاض معدلات النمو في تلك الفترة. فالواقع ان المانيا مدينة بقسم من نجاحها لضمور النمو في بلدان شركائها طوال فترة هضم اقتصاد المانيا الشرقية.

بناء على هذه الخلفية وعلى تجاوز معدلات النمو الاميركية المستويات المحققة والمقدرة في اوروبا، يرجح ان تخفف المانيا مطالبها من شركائها على صعيد التقشف وان تتقبل اقرار سياسات توسعية ولو ببطء لئلا تصير اوروبا بعد خمس سنوات بمثابة المنطقة الاقل تأثيراً وحجماً في الاقتصاد العالمي.

وما يعزز هذا التوسع ان الثقل الاقتصادي العالمي بدأ يميل في اتجاه جنوب شرق آسيا وقد ظهر حديثاً اتجاه الى إنشاء سوق مشتركة بين كوريا الجنوبية واليابان والصين، وفي حال انضمام الهند الى هذه المجموعة يقرب حجم البلدان الاربعة من حجم الاقتصاد الاميركي وقد يزيد على حجم الاقتصاد الاوروبي اذا استمرت دول السوق في الضمور بفعل السياسات التقشفية، وهذا امر عسير لان الاعتراضات الشعبية قوية وقد تمثلت في انتخاب الرئيس الفرنسي، وانتخابات اكبر ولاية في المانيا.

وتواجه اوروبا الغربية اقتصادياً تحديين، من الولايات المتحدة ومن بلدان جنوب شرق آسيا، والتحدي الاميركي هو الاكبر لان الدولار يحتل كعملة في مجالات التجارة العالمية موقعاً يتجاوز بكثير حجم الاقتصاد الاميركي.

الاقتصاد الاميركي هو الاكبر بالتأكيد عالمياً ويشكل 22 في المئة من الانتاج الاقتصادي عالمياً، لكن الدولار كعملة للتبادل التجاري والاستثماري لا يزال يمثل نسبة 65 في المئة من مجمل هذه العمليات على صعيد دولي، وتالياً اذا انحسر دور الاورو نتيجة اندثار الاتفاق الاوروبي، يصير الدولار العملة المرجعية عالمياً ويكون وقع السياسات الاميركية هو الناظم للاقتصاد العالمي. وجدير بالذكر ان غالبية الاحتياطات النقدية الحرة في العالم هي بالدولار.

وحيث ان الاميركيين لم يرحبوا يوماً بعملة منافسة للدولار كالاورو، فهم لا يكترثون لانفراط عقد الاورو، الامر الذي يوسع رقعة تأثيرهم. وكما هو معروف، يقيم الاميركيون سياساتهم من منظار مصالحهم الذاتية، وهم يستطيعون اذا شاؤوا خفض سعر صرف الدولار وهذا الامر حصل ازاء الاورو، وادى الى انقلاب التجارة العالمية لمصلحتهم.

قياساً بهذه الاوضاع السائدة عالمياً اليوم، وتفشي البطالة في بلدان اوروبا الغربية حيث يبلغ معدلها 25 في المئة في اسبانيا واليونان، ولا يقل عن 10 في المئة في أي بلد اوروبي آخر في ما عدا المانيا، من المرجو ان تتبنى الدول الاوروبية منهجية جديدة تقدم النمو، ولو في مقابل بعض التضخم، على التقشف.

المصدر:
النهار

خبر عاجل