#adsense

فشل خطة أنان يفتح الباب لمبادرة كوسوفو

حجم الخط

فرنسا وبريطانيا تدرسان خطة بديلة، في حال تعذر تنفيذ خطة كوفي انان، تتجاوز الفيتو الروسي في مجلس الامن وتشبه التدخل في كوسوفو، تحت عنوان "مبادرة الحل العادل اخلاقياً".

سقطت هذا الاسبوع في طرابلس الفيحاء، سياسة تحييد لبنان عن مجريات الاحداث في سوريا، الامر الذي أعاد الى الاذهان شعار "وحدة المسارين والمصيرين".
وتبين من حصيلة نزاعات الحدود بين البلدين، ان الدولة اللبنانية عاجزة عن وقف تدفق النازحين والمتسللين منذ انفجار الازمة ضد نظام بشار الاسد في آذار من السنة الماضية. كما تبين ايضاً ان هموم دمشق منصبة على منع تدفق السلاح للمعارضة عبر مدينة طرابلس والمنطقة الحدودية في عكار. وقد وظفت دمشق بعض هذه العناصر سابقاً للقيام بعمليات انتحارية ضد الاحتلال الاميركي في العراق.

أحداث طرابلس هذا الاسبوع، حققت لدمشق الهدف الذي تريده من وراء استغلال الاشتباكات بين الجماعات العلوية في جبل محسن واخرى سنية في باب التبانة. أي هدف انتشار الجيش اللبناني المطالب بمصادرة الاسلحة من المتقاتلين والمهربين معاً. وبهذا تضمن الدولة السورية عدم وصول السلاح الى "الجيش السوري الحر".

ومعنى هذا أن الجيش اللبناني النظامي تحوّل حارساً للنظام السوري الذي يواجه معارضة داخلية شرسة في مختلف المحافظات والمدن. وبهذا يكون هذا الجيش قد حقق مطالب البطريرك الماروني بشاره الراعي وجماعة 8 آذار الداعية الى تأييد النظام في سوريا.

أفراد "القاعدة" الناشطون في طرابلس ومحيطها، باشروا حملتهم ضد الجيش بغرض منعه من تنفيذ مهمته. ومع أن سوريا لا تعترف بوجود أكثر من 150 جهادياً غريباً فوق أرضها، تتبجح "القاعدة" بانشاء قاعدة تدريب تضم نحواً من ألف عنصر تسللوا الى شمال لبنان من ليبيا وتونس والسعودية واليمن وافغانستان ومصر والسودان والاردن. وقد ساعدهم مخيم نهر البارد على عملية التخفي والاختباء في أحضان "فتح الاسلام".

في كتابه "الوجه الآخر للقاعدة"، يستعرض الزميل كميل الطويل، إطلالة "القاعدة" على لبنان عبر نشاط أبو مصعب الزرقاوي الذي حاول استغلال الساحتين اللبنانية والسورية لمصلحته في اواخر التسعينات. وقد جند من أجل هذه المهمة شاباً لبنانياً يدعى حسن نبعة، المعروف بين مجاهدي هرات في افغانستان بأبي مسلم. واعترف هذا المجاهد انه التحق بمعسكر الزرقاوي عقب أحداث الضنية التي وقعت بين الجيش اللبناني وجماعات اسلامية كانت تتدرب في غابة نائية. وسقط في تلك المعركة ضابط برتبة نقيب مع أكثر من عشرين جندياً. وبعد عملية تطويق طويلة نجح الجيش في اعتقال عدد من المقاتلين. ثم أطلقت الدولة سراحهم في مقابل اطلاق سراح الدكتور سمير جعجع، الامر الذي أثار في حينه استنكار كبار الضباط الذين استهجنوا تلك المقايضة!

تقول مصادر الجيش اللبناني ان عمليات القنص استؤنفت ضد الجنود بهدف دفعهم الى مغادرة طرابلس. وقد أُتهمت "القاعدة" بافتعال اعمال القنص والتفجير لعل الاحتقان الشعبي يمنع وقف النار، ويمهد لاستئناف الاشتباكات من جديد. وهي تراهن على استثارة الجماعات الفقيرة المسلحة التي تمثل شريحة كبيرة من مدينة عُرفت بسلبيتها نحو الدولة بسبب الاهمال والبطالة. خصوصاً انها تشكل أكبر نسبة من العاطلين عن العمل في كل لبنان. وكان من الطبيعي ان يفرز هذا الوضع المجحف عدداً كبيراً من المتمردين والعصاة من أمثال محمد القدور.

ويرى التجار والصناعيون في العاصمة اللبنانية الثانية، ان حرب 1975 – 1989، شكّلت ضربة موجعة للصناعات والحاجات المحلية. فقد أحرق مصنع عريضة في محلة البحصاص، وحرم أكثر من ألفي عامل فرص العمل. كما دمرت مصانع آل الغندور للخشب المضغوط ومعامل السكر وقضبان الحديد، وأقفلت معامل نجم للمشروبات الغازية.

على كل حال، مثلما كانت طرابلس في العصر الفينيقي… كذلك استمرت في العصور التالية: أي مدينة غير موحدة تنهشها الخلافات من قبل سكان ثلاثة أحياء محاطة بأسوار ومملوكة من قبل سكان صيدا وصور وجزيرة ارواد. من هنا جاء اسمها الاغريقي "تريبوليس"… المدن الثلاث. وكانت هذه المدن تحرص على إقامة مجمع سنوي للتباحث في شؤونها المشتركة وعلاقتها بـ"الملك الكبير" في جبيل أو صيدا.
وبوحي من تلك السابقة المتكررة، يحاول الرئيسان عمر كرامي ونجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، معالجة الأوضاع المتوترة في انتظار مصير "الملك الكبير" في دمشق.

الصورة السياسية القاتمة التي ترسمها الصحف الخارجية لا تشير الى ظهور أي إنفراج في الافق. ومع أن الولايات المتحدة عززت علاقاتها بالمعارضة، إلا أن هذه الخطوة لا يمكن ان تعجل في اسقاط النظام. والسبب ان وزير الدفاع ليون بانيتا، ألقى أمام الكونغرس سلسلة ذرائع تحول دون التدخل الخارجي. وقال ان الإجماع الذي حصل تجاه نظام القذافي في ليبيا، لا يمكن تكراره في ظل الخلاف القائم بين الدول الغربية من جهة… وروسيا والصين من جهة أخرى. وزير خارجية فرنسا السابق ألان جوبيه، لمح الى استخدام خطة بديلة في حال تعذر تنفيذ خطة كوفي انان. وقال إن حال المراوحة لن تدوم، مذكراً بأن التدخل في كوسوفو سنة 1999، لم يخضع لتفويض مجلس الامن. وهذا ما ردده رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، عندما اعلن بأن سابقة كوسوفو تظهر ان الفيتو الروسي لن يمنع اصدار مبادرة تحت عنوان "حل عادل اخلاقيا" وفي رأيه، أن مجلس الامن ليس وحده الجهة المخولة اجتراح قانون اقرار التدخل العسكري، وذكر في هذا السياق ان المأساة السورية لم تتوقف منذ 14 شهراً وقد حصدت اكثر من 11 الف قتيل. كما ارتفع عدد المعتقلين الى اكثر من 25 الف نسمة. ووصل عدد النازحين الى مليون شخص، نصفهم في الداخل، بينما لجأ النصف الآخر الى تركيا ولبنان والاردن.

وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، دعت الى زيادة العقوبات التجارية والمالية، بحيث تؤدي الى ارهاق النظام السوري وزعزعة قواعده. علماً بأن وزير النفط سفيان العلا أعلن ان الاجراءات التي اتخذها الاتحاد الاوروبي، تسببت في حصول ازمة في اسطوانات الغاز المستخدم في المنازل. لذلك اضطرت الحكومة الى توقيع اربعة عقود جديدة مع ايران، واخرى مثلها مع فنزويلا. وقد وصل تأثير هذه الازمة الى قطاع الزراعة، لأن المزارعين اصبحوا عاجزين عن توفير الوقود للجرارات والآلات الزراعية.

على صعيد آخر، قامت الحكومة السورية باستيراد كميات ضخمة من الحبوب من طريق لبنان، بهدف الالتفاف على العقوبات الغربية وتدبير الامدادات الحيوية.
وتعتبر هذه العمليات مشروعة لأن واردات الاغذية لا تدخل ضمن العقوبات التي فرضها الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.

وقدرت منظمة الأغذية التابعة للأمم المتحدة، ان سوريا تحتاج الى استيراد اكثر من اربعة ملايين طن من الحبوب خلال هذا الصيف. اي بزيادة مليون طن عن السنة الماضية نتيجة ضعف المحصول في صيف 2011.
بقي السؤال المتعلق بمصير النظام السوري، وما اذا كانت العقوبات التجارية والمالية، اضافة الى القتال الدموي الذي تشهده المدن، ستؤدي كلها الى اسقاط نظام استمر خمسين سنة تقريباً؟ّ!

يقدر الخبير الاسرائيلي في الشؤون العربية عاميت كوهين، ان الرئيس بشار الاسد يستطيع حماية نظامه من الانهيار، رغم شيوع نظريات تفيد عكس ذلك. وهو يتصور ان اليوم التالي لنهاية الاسد سيتأخر قليلاً. وان التحول الذي يريده الاميركيون والاوروبيون لم ينضج بعد. والسبب ان سيد النظام يصارع من اجل حماية نفسه، وحماية الطائفة التي تدافع عنه. وهو يستخدم منظومة متفرعة عن اجهزة الاستخبارات، تتولى حماية النظام. اضافة الى استنفار تسع فرق مخصصة لقمع الانتفاضة، اضافة الى اربع فرق للمدرعات الموالية لماهر الاسد. وتساند هذه القوات فرق تابعة للحرس الجمهوري والقوات الخاصة.

المعارضة من جهتها تراهن على ظهور شروخ داخل صفوف الجيش القابع في الثكنات. وقد تبنت استراتيجية اقتحامية تمددت حتى حلب والعاصمة. وهي تدعو الى قيام خمسين تظاهرة يومياً، توزع العنف في كل ارجاء البلاد. والهدف من كل هذا ارهاق النظام وتوريطه بعمليات قتل يصعب محوها من ذاكرة 23 مليون سوري. وتدّعي الصحف الاجنبية أن النظام حريص على منع النازحين من الانتقال الى تركيا والاردن ولبنان لأن النزوح الجماعي يشوه صورته ويحرجه. وتكمن مخاوفه الجدية في هذه الايام من متسللي "القاعدة" الذين زعزعوا الاستقرار في العراق.

يقول المراقبون ان قوات النظام لم تهزم حتى الآن، وان احتمالات تفكك الجيش النظامي تبدو ضئيلة وصعبة. وهم يقدرون ان المشاكل ستزداد بسبب الطابع الواسع لأعمال العنف، الأمر الذي يحول دون حشد القوات الخاصة في أماكن متباعدة. كما يحول دون استنزافها في معارك قد تطول الى آخر السنة قبل أن تتفق ايران والدول الكبرى على مستقبل النظام في سوريا.

في مقابلة مع التلفزيون الروسي، قال الرئيس بشار الاسد ان الدول التي تنشر الفوضى في بلاده، يمكن ان تعاني هي من نتائجها. وانتقد "الربيع العربي" لأنه نقل الفوضى الى سوريا، الامر الذي ستعاني من عواقبه كل الدول الاوروبية.

واعلن الاسد أنه يأمل بأن يفكر الرئيس الفرنسي الجديد فرنسوا هولاند، في مصالح بلاده، داعياً اياه الى تغيير سياسة ساركوزي حيال سوريا والمنطقة.
مراقبو الامم المتحدة يتوقعون من قوات الاسد القيام بقمع بؤر التمرد على نحو لا يسمح للمعارضة بنقل أعمالها الى العاصمة. وهو يرى أن الاحتفاظ بأمن دمشق يمنحه الشرعية التي يتوق الى استخدامها لتأمين خروج مشرف.


وفي سبيل اسقاط هذه الشرعية، ستشدد المعارضة حصارها على العاصمة، ولو أدى ذلك الى استخدام أقصى وسائل العنف!

المصدر:
النهار

خبر عاجل