#adsense

هجوم سوري على ستّة محاور والبقية تأتي

حجم الخط

تُظهر أيّ متابعة لما رافق أحداث طرابلس وتبعَها أنّ هذه الأحداث ليست معزولة في الزمان والمكان، إنّما منظّمة ومبرمجة ومخطّط لها بعناية فائقة، في محاولة سوريّة لسدّ الثغرات على الساحة اللبنانية وفرض أمر واقع غير قابل للانعكاس في لحظة تحوّلات إقليمية.

فالثابت أنّ دمشق انتقلت وبشكل مفاجئ إلى طور الهجوم في جملة ملفّات وعلى مستويات عدّة، وهذا الهجوم لا يمكن تفسيره أو بالأحرى ربطه سوى بالتطوّرات الحاصلة على مستوى المنطقة وفي طليعتها مؤتمر بغداد الذي في حال نجاحه سيفرز توازنات جديدة في ظلّ مخاوف سوريّة من انعطافة إيرانيّة، خصوصاً أنّ نسبة نجاح هذا المؤتمر تتجاوز الـ 50%، ومن هنا تندرج الهجمة السوريّة في محاولة لفرض أمر واقع سياسي-أمني-عسكري قبل 23 الجاري، وهذا الأمر الواقع بات حاجة سوريّة في حال نجاح مؤتمر بغداد أو حتى فشله.

وفي هذا السياق يكفي التوقّف أمام المحاور أو الملفّات الستّة التي فتحتها سوريا دفعة واحدة لتبيان حجم الهجمة السوريّة وأهدافها:

أوّلاً، محاولة تطويع مدينة طرابلس وضرب البيئة الحاضنة للثورة السوريّة، أو ما يمكن اعتباره فعل استباقي لقطع الشريان المفتوح على الثورة السوريّة. وفي هذا السياق يشكّل رفض تخلية شادي المولوي إصراراً على تحدّي إرادة الطرابلسيّين ومواصلة المواجهة.

ثانياً، تسليم السلطات السوريّة 3 متورّطين بعملية خطف الأستونيّين: لا تخرج هذه الخطوة عن سياق محاولات النظام السوري تبييض صورته حيال المجتمع الدولي وإظهار تعاونه في ملفّات الإرهاب بغية استدراج حوار أو تنسيق معه. ولعلّ السؤال البديهي الذي يطرح نفسه يتعلق بالاستفاقة السوريّة على هذا الملف، إذ هل يُعقل أن تكون الأجهزة القضائية غير الموجودة في سوريا أساساً تنبّهت في لحظة تفكُّك الدولة وانهيارها إلى وجوب تسليم هؤلاء المتورّطين؟ أمر مضحك فعلاً.

ثالثاً، فرار عدد من عناصر «فتح الإسلام» من مخيّم عين الحلوة: المضحك في هذا الخبر هو تصوير أربعة أو خمسة عناصر وكأنّهم ثلاثة أو أربعة فيالق، غير أنّ المقصود بالتأكيد هو التصوير من جهة البيئات السنّية بأنّها حاضنة للإرهاب، ومن جهة أخرى النظام بأنّه يتصدّى لهذا الإرهاب.

رابعاً، الكشف عن ترتيبات لوجستية قد بدأت لتسليم مواقع الجبهة الشعبية-القيادة العامّة في منطقتي البقاع الأوسط والغربي المتاخمة للحدود اللبنانية-السورية إلى الجيش اللبناني: المعلوم أنّ وظيفة الجبهة الشعبية تخريبية، ولا يمكن لعاقل أن يصدّق أنّ سوريا قرّرت تنفيذ بند من مقرّرات الحوار في العام 2006 بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، لا بل إنّ دمشق أحوج ما تكون إلى هذه المجموعات في هذا الظرف بالذات، وبالتالي المطروح ليس إخلاء الجبهة الشعبية مواقعها، بقدر ما أنّ المقصود إعادة تموضعها من خارج المخيّمات الى داخلها، حيث إنّ وظيفتهم لم تعد بكلّ بساطة خارج المخيّمات، بل تعزيز وجودهم العسكري داخلها، أي إعادة التموضع في الأماكن المرشّحة للتفجير.

خامساً، دعوة الرئيس نبيه برّي إلى مؤتمر حوار وطني لطرابلس بغية إيجاد حلّ «إنقاذيّ» للمدينة بمعزل عن موضوع السلاح: لا شكّ أنّ إفشال 7 أيّار في طرابلس والخشية من أمر واقع يحول دون هيمنة سوريا-»حزب الله» على المدينة كان وراء هذه الدعوة في محاولة لأن تنزع 8 آذار بالحوار ما عجزت عن نزعه بالقوّة، وذلك في مسعى لتطويع طرابلس. فالحوار، أيّ حوار وظيفته باتت معروفة، وهي ضرب الدينامية السياسية القائمة أو فرملة اندفاعتها، وما حصل مع قوى 14 آذار في العام 2006 ينسحب على المحاولة الحاليّة بعد أن شعرت 8 آذار أنّ طرابلس تفلّتت من حالة الضبط.

ويدرك الرئيس برّي أنّه على رغم خطورة الوضع الطرابلسي، إنّما الوقائع التي أوصلت إليه هي من مسؤولية «حزب الله» وممارساته وتمسّكه بسلاحه واستكباره، الأمر الذي يعطي الصدقيّة لربط 14 آذار مشاركتها في أيّ حوار بعنوان «لبنان منزوع السلاح» وعلى قاعدة اتّفاق الطائف والقرارات الدولية.

سادساً، الرسالة التي نقلها السفير السوري في الأمم المتّحدة بشّار الجعفري إلى أمين عام الأمم المتّحدة بان كي مون: الهدف من هذه الرسالة تصوير النظام نفسه بأنّه مستهدف من قبل الإرهاب الإسلامي الذي بات لبنان يشكّل حاضنةً له، وبالتالي كلّ الأحداث التي توالت منذ الأزمة الطرابلسية تشكّل مقدّمة لهذه الرسالة، خصوصاً أنّ شرعيّة هذا النظام الوحيدة باعتقاده لم تعد متأتّية بالتأكيد من قوميته العربيّة أو شعاراته الفارغة في محاربة إسرائيل، إنّما في زعمه الدفاع عن الجميع في مواجهة الإرهاب الإسلامي.

كلّ ما جرى منذ لحظة اندلاع الأزمة الطرابلسية يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من سيناريو متكامل يؤشّر بوضوح إلى انتقال سوريا إلى طور الهجوم، ولكن يبقى، ماذا عن موقف 14 آذار واستعداداتها؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل