لم تكن "الرسالة" السورية الموجهة الى العالم بالدرجة الأولى، ثم الى لبنان، من خلال عاصمة لبنان الثانية طرابلس، تحتاج الى من يكشف مضمونها الى العلن أو أن يفسر هذا المضمون. مع ذلك، فقد تبرع الأمين العام لـ"الحزب العربي الديموقراطي" رفعت عيد ومندوب سوريا الى الأمم المتحدة بشار الجعفري بتعميم المعنى الكامن بين سطور"الرسالة" ومن خلفها الى من يعنيه الأمر، أو يفترض صاحبها ومرسلها أنها تعنيه. ليس ذلك فقط، بل سارعت جوقة المطبلين والمزمرين لما يسمى "محور المقاومة والممانعة"(لم نعد نسمع عنه في الفترة الأخيرة؟!) الى نشر تقارير وتحقيقات عما تقول انه "بؤرة ارهاب كاملة العدة والعدد والتنظيم" في المدينة التي كانت تسمى طرابلس الشام وفي شمال لبنان كله.
هو "الزلزال" الذي حذر منه الرئيس بشار الأسد مع بدء الثورة الشعبية السورية ضده، تقول "الرسالة" لمن يعنيه الأمر في العالم من ناحية وفي لبنان من ناحية ثانية، يقترب من أن يضرب البلد الذي لم يخرج بعد من الحرب الأهلية. هل يمكن تفاديه وكيف؟، بطريقة واحدة لا غير، يقول عيد، هي أن يناشد العالم النظام في سوريا، بل يرجوه ويتوسل اليه، أن يعيد قواته المسلحة الى الأراضي اللبنانية. أما الجعفري، فكان أكثر دبلوماسية بحكم موقعه في المنظمة الدولية، فاكتفى بالقول ان على دول العالم أن تفي بتعهداتها لجهة محاربة الارهاب الذي يهدد سوريا ولبنان معا من خلال ما يسميه الشبكة الاسلامية السلفية القاعدية – الاخوانية التي تم اكتشافها في ربوع لبنان، والممولة والمسلحة، كما يقول، من الخارج العربي أساسا.
ولا حاجة هنا الى القول، أن الهدف من الموقفين واحد وان كانت اللغة مختلفة.
الجديد فقط، أنه للمرة الأولى، وربما لوضع الجعفري الدبلوماسي كذلك، لم يعتمد أسلوب بلاده التقليدي في مثل هذه الحالات: الاستشهاد بما طالب به عيد، بوصفه رئيس حزب سياسي لبناني وممثل احدى طوائفه، لتبرير ما طالب به العالم تحت عنوان الشبكة الارهابية ودورها في ما قال انه نقل السلاح والمسلحين الى سوريا.
مع ذلك فالرواية السورية عن الفيحاء، وبالتالي عن لبنان كله، واحدة وان تعددت فصولها:
في فصلها الأول، أن لا ثورة شعبية مستمرة منذ ما يقرب من عام ونصف العام في سوريا بل "عصابات مسلحة" و"مؤامرة خارجية" وأخيرا ارهاب "القاعدة" وأن لبنان، فضلا عن تركيا والى حد ما العراق، تشترك في هذه المؤامرة عن طريق تهريب الأسلحة والمسلحين الى داخل سوريا وتوفير الملاذ لهم على أراضيها. كانت هذه مقولة النظام منذ اللحظة الأولى، وبغض النظر عن الفاعل الحقيقي لسلسلة التفجيرات التي شهدتها دمشق وحلب وغيرهما في الفترة الأخيرة، فلا يفعل النظام حاليا الا أنه يحاول اقناع العالم بها بعد أن تبين له أن أحدا في هذا العالم، في ما عدا روسيا لأسبابها الخاصة، لم يصدقها طيلة الفترة السابقة.
في هذا السياق، وعلى طريقة فيلم أبو عدس، جرت فبركة فيلم باسم "جبهة النصرة" باعلان مسؤوليتها عن التفجيرات، لتقوم الجبهة باصدار بيان تنفي فيه هذه التهمة… تماما كما جرى الحديث في وقت لاحق عن دور أميركي في اعتقال الشاب الطرابلسي شادي المولوي، لينفي الأميركيون بدورهم معرفتهم بالقضية من أساسها.
وفي فصلها الثاني، أن العنف المفرط وغير المسبوق الذي يمارسه النظام على مساحة سوريا كلها، يأتي في سياق مشاركته العالم في محاربة الارهاب ووفق قراراته بشأنها، وأن على دول العالم أن تراه من هذه الزاوية وليس من أية زاوية أخرى.
وفي الحال الراهنة، فان تعثر خطة المبعوث الدولي كوفي أنان وامكان سقوطها نهائيا في فترة مقبلة انما يعودان، بحسب مقولة النظام، لتزايد هذا الارهاب نتيجة وجود مسارب له الى الأراضي السورية من دول الجوار. بل وأكثر من ذلك، فان الاعتداءات التي تعرض لها المراقبون الدوليون خلال أدائهم مهمتهم وقد يتعرضون للمزيد منها في المستقبل هي من فعل هذا الارهاب ولا علاقة للنظام أو لقواته المسلحة بها.
اذا كان من جريمة ترتكب في سوريا، قال الجعفري في رسالته أمس الأول الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، فهي جريمة الارهاب الذي يرتكب بحقها وبحق النظام فيها. وليس الا ساذجا من يضعها في غير الخانة التي وضع فيها دعوة الجعفري نفسه في وقت سابق الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما كانت تناقش المأساة الانسانية للشعب السوري على أيدي النظام، للوقوف دقيقة صمت حدادا على أرواح الشهداء الذين يسقطون يوميا في سوريا بسلاح الارهاب وما يسميه العصابات المسلحة والمؤامرة الخارجية.
منتهى الاستخفاف بعقول الناس!.
أما في فصلها الثالث، فتقول رواية النظام ان على السلطة اللبنانية أن "تنأى بنفسها" من الآن فصاعدا عن سياسة "النأي بالنفس" التي اعتمدتها في الفترة السابقة… لأن هذه السياسة، كما قال أحد أفراد الجوقة من اللبنانيين، كانت مقبولة ولو على مضض في الأيام الأولى للثورة في سوريا.
وبهذا المعنى، فالرسالة الى لبنان "رسالة مفتوحة" وعملية هذه المرة، بعد زميلاتها الدبلوماسية(عبر السفير على عبد الكريم علي) والشخصية (عبر الأصدقاء والموفدين الخاصين) والاعلامية (عبر الكتاب والمعلقين) بأن المطلوب من لبنان موقف قاطع الى جانب النظام وضد من يطلقون على أنفسهم اسم ثوار، والا فاليد السورية فيه، بما في ذلك الجهاز الأمني المشترك، ما تزال طويلة جدا: موقف يكون شبيها بمواقف ايران وروسيا والعراق وكوريا الشمالية.أو أقله ينفذ الاتفاقات المعقودة بين البلدين في اطار ما يسمى "معاهدة الصداقة والأخوة".
هل وصلت "الرسالة" السورية المتعددة هذه الى من يعنيهم الأمر؟!. من المستبعد أن يكون أحد في العالم، وربما في لبنان أيضا، قد فهم الرسالة على غير حقيقتها…وهي أنها تعبر عن مأزق النظام السوري أكثر من أي شيء آخر، أو ربما عن سخافة الوهم بأن مرحلة السبعينات والتسعينات من القرن الماضي يمكن أن تعود فتعطي لهذا النظام حرية التصرف في لبنان.