سياسة النأي بالنفس سقطت في الشمال
المعارضة: لا استنسابية في الحوار والسلاح أولاً
بينما كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يجدد تأكيده سياسة حكومته الرامية الى النأي بلبنان عن مسار الازمة السورية، نافيا أي شروط أو ضغوط مورست عليه في هذا الشأن، كانت حوادث طرابلس ثم عكار، تدفع بالازمة السورية نحو عمق لبنان من الخاصرة الاضعف شمالا، لتضع حكومة ميقاتي أمام ما كان يخشى الوصول اليه: الحائط المسدود الذي يقفل أي هوامش متاحة أمام المزيد من المراوحة وكسب الوقت حتى بلورة المشهد الاقليمي.
وإذا كانت سياسة النأي بالنفس التي نجح ميقاتي في ممارستها وإدارتها مدى عام من عمر حكومته قد ساهمت الى حد ما – ومن ضمن عوامل أخرى – في تصدع الحكومة داخليا وعجزها عن مواجهة الملفات الشائكة المفتوحة في وجهها، فإن هذه السياسة استنفدت رصيدها في الملف السوري في ظل رغبة دمشق الدائمة في ان تحسم السلطة "الحليفة" في لبنان موقفها مما تشهده سوريا فتقف بجانب نظامها كما يفعل الحلفاء، وتسير في تطبيق الاتفاقات الموقعة بين البلدين في مختلف الميادين والتي من شأنها لو نفذت أن تشكل متنفسا لسوريا، ولا سيما في ظل الحظر الدولي الذي يثقل على اقتصادها.
وعلى رغم محاولات الاحتواء والاستيعاب الحاصلة للمشهد المأزوم على الساحتين الطرابلسية والعكارية أخيرا، فإن قراءة مراجع قيادية في المعارضة للتطورات والمواقف التي واكبت اندلاع حوادث طرابلس منذ توقيف شادي المولوي إلى تقرير مندوب سوريا لدى الامم المتحدة بشار الجعفري إلى مقتل الشيخ احمد عبد الواحد، معطوفة على انخراط مؤسستي الجيش والامن العام فيها (إن عبر مقتل الشيخ عبد الواحد أو عبر توقيف المولوي)، كل ذلك يشي بأن قفل الجبهة الشمالية المجمَرة لن يكون ممكنا، وأن الامور مرشحة لمزيد من التأزم في ظل سيناريوات لتوغل عسكري سوري يجري تداولها، وترمي بحسب الروايات الى "قطع دابر" الارهاب المصدر من لبنان الى سوريا وقطع الممرات الانسانية المستغلة – وفق الروايات عينها- لإمدادات السلاح وضبط المطلوبين واللاجئين والفارين بعدما عجزت الحكومة اللبنانية النائية بنفسها عن احداث سوريا عن توقيفهم وتسليمهم الى السلطات السورية عملا بالاتفاقات الامنية والقضائية بين البلدين.
ولا تخفي المراجع المعارضة قلقها حيال احتمال ان يكون مسلسل جر المنطقة الى صدام مذهبي قد بدأ إنطلاقا من سيناريوات تدفع الى صدام بين الجيش والمسلمين السنة وتحديدا بين أبناء عكار والجيش، وأكثر تحديدا بين تيار المستقبل توصلاً للوصول الى تأكيد فرضية أن تلك المنطقة "تؤوي مخربين وإرهابيين يصدرون الارهاب الى سوريا بما يفسر مصدر الارهاب الحاصل فيها".
وفي ضوء ادراك "المستقبل" التام للسيناريو المرسوم لطرابلس وعكار، تعمل قيادات التيار على ما تقول أوساطها، عبر الاتصالات والمشاورات الحثيثة مع أبناء المنطقة وقياداتها وفاعليتها لتدارك الوضع الخطير واحتوائه. والامر نفسه ينسحب على رئيس الحكومة الذي ينسق الخطوات الاجرائية ميدانياً مع القيادات الامنية والسياسية والروحية، آخذا في الاعتبار حساسيات المنطقة وخصوصياتها التي يدركها جيدا لكونه إبن طرابلس ونائبا عنها قبل أن يكون رئيسا للحكومة. ويأتي الاجتماع الذي دعا اليه مفتي الجمهورية الشيخ محمد قباني ويضم كل الفاعليات الروحية والسياسية السنية ليؤكد على هذا التوجه.
وليست بعيدة من هذه ااجواء دعوة رئيس المجلس نبيه بري الى طاولة حوار خاصة بطرابلس وتطوراتها، علماً ان الدعوة طرحت علامات استفهام في أوساط المعارضة التي لم تنفك تشترط انعقاد أي طاولة حوار بالبند الاساسي الباقي على جدول الاعمال والمتعلق بالسلاح غير الشرعي.
وفي هذا الصدد سألت المراجع القيادية عينها عن سبب ربط الدعوة الى الحوار بالسفير السعودي علي عواض عسيري ودعوته الى البحث في هذه المسألة وتحميله رسالة الى المملكة للإستماع الى رأي الرياض فيها، وقالت إن موضوع الحوار يفترض أن يكون في الدرجة الاولى مسألة لبنانية داخلية تبدأ من الداخل أولاً، قبل أن تعرض على الدول الصديقة أو الشقيقة إذا كان ثمة رغبة في ذلك.
وإذ رأت أنه ليس كلما إختلف إثنان تتم الدعوة إلى طاولة حوار، مشيرة إلى أن جدول أعمال الحوار واضح ولا لبس فيه وقد حددت المعارضة موقفها الثابت منه أكثر من مرة. ويبدأ من البند الاوحد الباقي في جدول الاعمال والمتعلق بالسلاح، معربة عن ترحيبها بأي دعوة تأخذ هذا الموضوع في الاعتبار.
ورأت المراجع أن دعوة السفير عسيري وتحميله هذه الرسالة يبين أن المطلب بالعودة إلى طاولة الحوار ليس لبنانيا بحتا بل يشي برغبة سورية في اعادة تحريك هذا الموضوع على خلفية حوادث طرابلس لاستطلاع الموقف السعودي منها.
