بعد "الاستفزاز المافيوي البوليسي" في كمين طرابلس، يطلّ علينا "النظام الأمني الجديد" باستفزاز دام تشبيحي خالص على حاجز حلبا. النظام الأمني الجديد لا يخفي أبداً موقعه من الإعراب: فرقة متقدّمة في جيش بشّار الأسد. مهام هذه الفرقة واضحة ايضاً: توجيه ضربات موجعة واستفزازية للنسيج الاهلي اللبناني، الداعم للثورة الشعبية السورية، وأول هذه الخطة لم يبدأ في الشمال، انما في محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع في معراب. ثم بعد ان فشلت هذه المحاولة، الانتقال الى استفزاز الحركات الاسلامية في الشمال اللبناني، والرهان على الدفع بهذه الحركات نحو تطرّف انفعالي منفلت من عقاله، ومحرج بل مضعضع لقوى الاعتدال والاستقلال على الساحة الاسلامية، لا سيما في الشمال اللبناني، بما يصيب عصفورين في وقت واحد: رواية النظام الفئوي الدموي المحتضر في سوريا حول تنظيم القاعدة الذي يؤلّب الشعب السوري ضدّه ويعرقل طريق الاصلاحات والفرز المستديم لنتائج الانتخابات التشريعية، وبضاعة "حزب الله" الترويجية لنفسه، بأنه أفضل للمسيحيين في الداخل، وللغربيين في الخارج ان تسامحوا بل ساعدوا على استيلاء "حزب الله" على البلد، طالما ان البديل عنه هو تنظيم "القاعدة". بالمناسبة، انه "حزب الله" نفسه الذي حذّر الجيش اللبناني عام من ضرب تنظيم "فتح الاسلام" بل اعتبر ذلك "خطاً أحمر!".
النظام الأمني الذي عرفه لبنان في ظل الوصاية السورية يختلف نوعياً عن النظام الآخذة شبكته الأساسية في التبلور ومدّ أذرعتها حالياً. النظام السابق كان امتداداً لوصاية خارجية تحوز على "غض طرف" دولي. النظام الحالي هو امتداد لآلة بعثية دموية يقوّض الشعب السوري بنيانها يوماً بعد يوم، ويستحيل "غض الطرف" دولياً عن هذه الآلة البعثية الدموية، مهما حاولت الاخيرة تسويق نظريتها في دور تنظيم "القاعدة" في الثورة، حتى لو قدم أيمن الظواهري بنفسه لخوض المعركة. فهذه اللعبة لم تنفع لا ميلوسوفيتش حين حاول تصوير "جيش تحرير كوسوفو" على انه كذلك، ولا القذافي. أما اقتناع الادارة الاميركية السابقة بهذا التفسير "القاعدي" لتاريخ المنطقة الراهن، فقد ادى الى تحويل الاحتلال الاميركي للعراق الى وسيلة للهيمنة الايرانية عليه، ثم الى وسيلة لجعل ايران تذهب بعيدا في سياسات الغلو الداخلي، ضد الاصلاحيين، وفي سياسات الغلو الخارجي، من المسألة النووية وصولاً الى النهج التوسعي في منطقة الخليج، والنهج الداعم جرائم بشار الاسد ضد السوريين الثائرين.
ويمكن ان يسجل للنظام الامني السابق، ان ظلّ ينأى بنفسه عن هوية طائفية او مذهبية واضحة، وان احترف الاستثمار في الفتن حيثما اقتضت مصلحته ذلك. مثال على ذلك: الطابع "العلماني" (بمعنى الاختلاط) لتشكيلة الضباط الاربعة! في المقابل، قد تتضمن شبكة النظام الامني الحالي اسماء من ملل مختلفة، الا ان ما تفعله هذه الشبكة في الشمال خير دليل على انها تمثل نهجاً فئوياً لا يمكن المكابرة عليه، بل ان نظام الهيمنة الفئوية الذي لم ينجح "حزب الله" في فرضه بالشكل المطلوب، لا في أيار، ولا في انتخابات ، ولا في انقلاب القمصان السود، انما يجرّب هذه المرة حظّه باللجوء الى الوسيلة الاخطر: النظام الامني الجديد، نظام "تأديب" الشمال اللبناني بالدرجة الاولى واستعمار هذا الشمال بـ"ثقافة المقاومة".
في السبعينيات من القرن الماضي، حاول نظام هيمنة فئوي من نوع مختلف، وأكثر تحضراً بما لا يقاس، ان يطيل عهده بالمكابرة لا بالمشاركة، ومن خلال "الحل العسكري"، فكانت هذه عملية تسريع لانفجار الحرب الأهلية. الحال مختلفة بعض الشيء اليوم: النظام الامني الجديد يشهر صفته، من أول دخوله، كمشروع تعميم مناخات الاحتراب الاهلي، بخلفية تشبيحية بعثية. النضال الديموقراطي الاستقلالي ضد هذا النظام يعني أيضاً النضال من اجل السلم الاهلي.