تعبير شديد الواقعية هو ما اقتبسه أحد الاعلانات المتلفزة قائلاً: "شو وقفت عليي!"، فهذا لسان حال معظم المواطنين عند الحديث عن وجوب تطبيق القانون والمحافظة على الانتظام العام.
فإن تحدثت عن رمي النفايات في المستوعبات الخاصة لأشار لك الى القمامة المنثورة مع أو من دون أكياس في ارجاء الشارع ولسان حاله يقول "شو وقفت عَ زبالتي!". وان نصحته بوجوب دفع فواتير الكهرباء وعدم التعليق على الخطوط العامة لسرقة الكهرباء، مسهباً بالحديث عن الضرر اللاحق بالشبكات من جراء ذلك، لكان الجواب "أنظر الى الضاحية الجنوبية والمناطق التي يسيطر عليها حزب الله؟ "شو وقفت عليي!".
وإن أسرفت بالمواعظ من وجوب احترام قوانين السير وانه من حق الشرطي أن يحرر المحاضر بحق المخالفين لكان الجواب "شو وقفت عليي!، وهل يتجرأ هذا الشرطي أصلاً أن يقمع المخالفات في مناطق "حزب الله"!".
وهكذا يستمر هذا المنطق قيد التداول في أوساط سنّة لبنان حتى من هو منهم مؤيد لـ"حزب الله" أو لنجيب ميقاتي أو عمر كرامي أو حتى المحايد منهم، ولا فرق إن كان متعلماً أو أمّياً، فقير الحال أو غنياً.
ويشمل هذا المنطق أيضاً من رسب في الامتحان ولم يتم ترفيعه من صفه، أو من رسب في امتحانات مجلس الخدمة المدنية، أو أراد التعليم في الجامعة مع أن شهادة الدكتوراه التي يحملها هي مزوّرة في الأساس، وربما حتى شهادة البكالوريا.
وتشمل اللائحة أيضاً من لم يحصل على تأشيرة للسفر الى بلد ما، أو منحة جامعية في جامعة ما، واللائحة تطول. المحزن في هذا المشهد السوريالي هو أن معظم الشاكين يحملون معهم أمثلة موثقة على دعواهم؛ فكم من أستاذ جامعي دخل الملاك من دون مؤهلات، وكم من طالب سربت له أسئلة الامتحان، وكم من متقدم لوظيفة تم تهريب الوظيفة لحسابه ووضعت شروطها لتتناسب فقط مع مؤهلاته. وكم من التزام كبير أو صغير فُصَِّل على قياس محسوب ما على مرجع ما لأسباب شتى، ومن ضمنها طائفية أو مذهبية، ماذا أقول، فاللائحة لا تنتهي.
والأخطر اليوم هو الحديث عن تهمة "الانتماء الى تنظيم مسلح" وهذه بالطبع تهمة كبرى بالمطلق في أي بلد كامل السيادة، وهي بالمناسبة التهمة التي غطيت بها العملية المافيوية لاختطاف شادي مولوي منذ أيام. للأمانة فإنه من حق السلطات أن تقوم بما يلزم من الأعمال المتناسبة مع القانون لحفظ الأمن. كما أن هذا النوع من العمليات لها سوابق حتى في أكثر الدول ليبرالية وديموقراطية، خصوصاً إذا كان الشخص المطلوب يشكل خطراً داهماً على الأمن العام.
وأنا هنا سأتخطى نظرية المؤامرة وانتماء المدير العام للأمن العام السياسي، وحتى دقة الوضع السياسي والاجتماعي والطائفي في طرابلس، لأشير الى واقع مأزوم في العلاقة بين أجهزة الدولة وبعض المواطنين بناء على عامل عدم الثقة بها من جهة، ولأن القانون الذي يحمي مسار المؤسسات لا يتم تطبيقه بالتساوي على جميع المواطنين وعلى كل المناطق. وبالتأكيد ليس على كل الجهات السياسية والحزبية وأحياناً الطائفية.
ويكفي أن نعطي أمثالاً على هذا الواقع الخطير:
1 يغتال عنصر من "حزب الله" بدم بارد، الضابط سامر حنا أثناءوتأديته واجباته الوطنية العسكرية، فتجري تسوية على تسليم القاتل المفترض، ويتم تخلية سبيله بمبلغ عشرة ملايين ليرة لبنانية لم يعرف اذا دفعت أصلاً، ولا معلومات عن مسار المحاكمة. ويعني أن مواطناً من انتماء آخر سيعتبر مقاومة الجيش اللبناني جريمة بسيطة بالمقارنة مع اغتيال ضابط ولا نستغرب إن قال "شو وقفت عليي!".
2 تهمة الانتماء الى تنظيم مسلح، تهمة خطيرة صحيح، ولكن ماذا نسمي الانتماء الى "حزب الله" أو حركة "أمل" أو "الحزب القومي" أو حزب "التوحيد" أو حركة "التوحيد" أو "الحزب العربي الديموقراطي" أو "جماعة" مصطفى حمدان أو أي من مختلف زعماء الزواريب الذين نبتوا كالطحالب في وسط الأحياء؟ أهي جمعيات خيرية أم تنظيمات مسلحة؟. فأي من التنظيمات إذاً تسمى بالمسلحة وأي صنف من المواطنين هو المستهدف في تهمة الانتماء لتنظيم مسلّح؟.
3 يتم اتهام عناصر من "حزب الله" من قبل المحكمة الدولية بجريمة بحجم الكارثة وهي اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويقوم "حزب الله" بكل صلف واستهزاء وتحد بإعلان حمايته للمتهمين، وهو مشارك في الحكم وعناصره وقياداته تسرح وتمرح وتعظ وتهدد وتشمت. فيتساءل البعض بأنه ان كان بالإمكان التملص من أية جريمة مهما كبرت اذا انتمى الى "حزب الله".
4 يتم القبض على عمر بكري بتهمة خطيرة تتعلق بتنظيم "القاعدة" فيستنجد بـ"حزب الله" وأمينه العام ليخرج بعد أيام معززاً مكرماً بوساطة من هذا الحزب، في حين يقبع العشرات من الاسلاميين في السجن من دون محاكمة، ألا يحق لأهلهم أن يقولوا "شو وقفت علينا!" لأننا من أهل السنّة غير التابعين لـ"حزب الله"، وهل علينا اللجوء الى حسن نصرالله ليَخْرُج أبناؤنا؟!".
5 يدخل عميل الى السجن اسمه فايز كرم ليخرج في مهزلة لأنه مساعد ميشال عون المغطى من "حزب الله"، فيقول عميل آخر بتهمة أخف وعقوبة أكبر "شو وقفت عليي! لو كنت من أتباع الجنرال لكنت خرجت من السجن من زمان!".
وقد يقول بعض الخبثاء "عميل إسرائيل خائن نعم، ولكن ماذا نسمي عميل ايران أو عميل النظام السوري؟!".
6 تغتال عصابة في البقاع خمسة من عناصر الجيش على خلفية اجرامية، فيتم تهريب الجناة المعروفين لأنهم من عشيرة حليفة لـ"حزب الله"، ولو تشاجر مواطن مع عسكري في منطقة أخرى لذاق الهوان والذل على يد الشرطة العسكرية ولسان حاله يقول "شو وقفت عليي!".
7- يتم الكشف عن عصابة لتصنيع المخدرات في البقاع، مع احتمال أن تكون جزءاً من عمليات دعم "المقاومة"، وأصحابها أقرباء مقربون لقياديين في "حزب الله"، فيختفي المتهمون وتطوى القضية في حين يتم القبض على مواطن في مكان آخر محبحب من الحبوب نفسها التي ينتجها المصنع المحسوب على "حزب الله" فيقول "المحبحب" "شو وقفت عليي!".
8 منذ أيام جرت اشتباكات بين عصابات عشائرية وبقاعية على خلفيات اجرامية أدت الى جرح 17 عسكرياً لبنانياً، ويُمنع على الجيش ملاحقة المطلوبين الذين لجأوا الى ضيعة "النبي شيت" وهي من قرى "المقاومة"، فماذا يقول في هذا الحال من ضاقت به الدنيا فقبض عليه لشيكات من دون رصيد في منطقة أخرى مع علمه أيضاً بأن الآلاف من المطلوبين بأكثر من مذكرة توقيف يسرحون ويمرحون ويمرون على الحواجز في سيارات "مفيّمة" تحت غطاء المقاومة!.
9 تأتي باخرة فيها بعض الأسلحة، فتقوم القائمة ولا تقعد وتنسج على القضية آلاف الروايات وتنثر الاتهامات يميناً وشمالاً، في حين أن آلاف الصواريخ سرّبت لحساب "الحرس الثوري في لبنان، وانفجرت عدة مخازن أسلحة لـ"حزب الله" وقوى السلطة الافتراضية منعت تكراراً من مجرد التحقيق بالأمر.
لو أردنا أن نسرد الوقائع لاستمرينا لساعات أو ربما أيام، ولكن الواقع هو أن جزء كبيراً من رد الفعل المبالغ فيه حول مسألة اختطاف شادي مولوي يعود أصلاً الى عدم الثقة بعدالة الأجهزة الأمنية في تطبيق القوانين، وقد تكون بعض الأجهزة تلعب على هذا التوتر لاستدراج الناس الى ردود فعل تخدم الصورة الأكبر التي يحاول "حزب الله" تعميمها في لبنان في المناطق والمجتمعات التي لا تخضع لنفوذه.