كانت القراءة أبسط وأسهل. وكان الثبات هو العنوان والاستمرار هو القاعدة. كان العربي يقول العراق ويعني عراق صدام حسين وبغض النظر عن موقفه من الرئيس. وكان يسلم ان الرئيس باقٍ حتى توافيه المنية او رصاصة. وان القصر سيكون في عهدة نجله او من يشبهه. ولم يكن العربي مضطراً لمتابعة أخبار البرلمان العراقي ولا التعرف الى اسماء الوزراء. كان يكفي الالتفات الى الحاكم وحساباته ومواقفه ومخاوفه.
كان العربي يقول ليبيا ويقصد ليبيا القذافي. وكان يعرف ان العلاقات مع تلك الدولة مرهونة بمزاج القائد. ولم يكن العربي قادراً على حفظ اسماء امناء اللجان الشعبية ولم يكن مضطراً. ولم يكن مضطراً ايضاً الى الغوص في «الكتاب الأخضر» الذي دبجه العقيد تقليداً لماو تسي تونغ وجوزف ستالين وجمال عبدالناصر. كان يكفي الالتفات الى مسرحيات المهرج الذي أقام أربعة عقود وأدمى شعبه والعالم.
كان العربي يقول مصر ويقصد مصر حسني مبارك وبغض النظر عن موقفه من الرئيس. ولم يكن معنياً بمتابعة انتخابات مجلس الشعب وحتى الانتخابات الرئاسية. كان يعرف النتائج سلفاً وأن مصر ستبقى في أيدٍ أمينة على حد ما تقول الإذاعة. وكان يقول اليمن ويقصد يمن علي عبدالله صالح ولم يكن ملزماً متابعة رقصة الحكومات والتحالفات القبلية والمناطقية. كان يكفي رصد رسائل الرئيس وبراعاته ومناوراته في الداخل والخارج. وكان العربي يقول سورية ويقصد سورية الأسد. ولم يكن مضطراً الى القلق على نتائج حزب البعث في الانتخابات او على التعددية التي تضمنها الجبهة الوطنية التقدمية. وكان العربي يقول تونس ويقصد تونس بن علي.
ذهبت مصر الى صناديق الاقتراع وعادت منها ببرلمان يسيطر الإسلاميون على قراره. كانت الانتخابات نزيهة ولا بد من احترام نتائجها. وتذهب مصر الى صناديق الاقتراع هذا الاسبوع لانتخاب رئيس للجمهورية. لا يستطيع العربي اليوم التكهن بالمسار الذي تتخذه الأحداث في مصر. اننا امام قوى لم يسبق ان أقامت في مقاعد الحكم. لم تختبر سابقاً. ولم تصطدم بالحقائق التي تواجهها اي سلطة. حقائق سياسية واقتصادية لا سيما ما يتعلق منها بالتعامل مع العالم. الإقامة في المعارضة شيء والإقامة في الحكم شيء آخر. واذا افترضنا فوز مرشح من التيار الاسلامي فإن ذلك يعني الإمساك بكل مفاصل القرار. وفي مثل هذه الحال كيف ستكون العلاقة مع المؤسسة العسكرية وماذا عن الخيارات التي بنت عليها نهجها في العقود الماضية؟ وماذا عن المعاهدة مع إسرائيل والعلاقة مع أميركا والمساعدات؟ وماذا عن موقع مصر في الإقليم وعلاقاتها بدول الخليج وإيران وماذا عن علاقاتها الدولية ايضاً؟.
وإذا كان يجوز طرح مثل هذه الأسئلة عن دولة مثل مصر للمؤسسات فيها عراقة فكيف يكون الأمر في دول تفتقد احياناً الى الحد الأدنى من صمامات الأمان؟
إن طرح الأسئلة لا يبطن اي حنين الى زمن المستبدين الذين انهكوا بلدانهم وشعوبهم. لكن المتابع يشعر فعلاً بصعوبة قراءة المشاهد الجديدة الحافلة باللاعبين الجدد. لا نعرف مثلاً اي يمن سيولد من هذا المخاض الصعب للعملية الانتقالية خصوصاً بعد ظهور مؤشرات تفيد بأن الخريطة نفسها مطروحة للنقاش. وأن التدخلات الخارجية في الشأن اليمني ذهبت بعيداً وأن تنظيم «القاعدة» يتصرف وكأنه عثر على أفغانستان عربية للتحصن فيها والانطلاق منها.
ليبيا التي خرجت من ظل القذافي تبدو هي الأخرى في بدايات مخاض صعب. قبل ايام من وفاته كان شكري غانم رئيس الوزراء الليبي السابق قلقاً وشبه يائس. قال انه خائف من المستقبل ويخشى ان تكون فكرة الدولة والمؤسسات بعيدة من البرامج الفعلية للقوى التي ستتطاحن في السنوات المقبلة. قال ايضاً انه خائف على مصر بسبب الصعوبات الاقتصادية الهائلة والفقر الشديد وارتفاع مستوى الأمية ولأنه ليس واثقاً من ان الفائزين في الانتخابات يملكون حلاً او خيارات واقعية. رأى ان سورية تتجه الى مواجهة مريرة بين مكوناتها ترشحها للتمزق على الطريقة العراقية. وتوقع ان تكون السنوات المقبلة في المنطقة «موحلة ودامية».
اننا في أول المخاض الطويل. السياسات القديمة لم تعد صالحة. لا في الداخل ولا في الخارج. القرارات الجريئة الصعبة لا تحتمل التأجيل. ان ترك المريض في عهدة طبيب اسمه الوقت سيعني بالتأكيد وفاة المريض.