Site icon Lebanese Forces Official Website

الإتصالات “وكرُ” كيديات و”منجمُ” معلومات

كتب أنطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":

هل أصبحت وزارة الاتصالات محمية سياسية خاصة، تتمتّع باستقلالية تامة عن الدولة والمسؤولين فيها، الى حد أن رئيسي الجمهورية والحكومة يقفان عاجزين عن التأثير في قراراتها، حتى لو كانت هذه القرارات غير منطقية، وحسّاسة الى حد تعريض الأمن القومي في البلد للخطر؟

بدا رئيس الجمهورية ميشال سليمان حازماً عندما أعلن قبل فترة انه يثق بالأجهزة الأمنية اللبنانية، وبالتالي، يؤيد تسليمها داتا الاتصالات لكي تقوم بواجباتها في ضمان أمن المواطن ومكافحة الجريمة. وبعد فترة، أعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بوضوح أنه مع تسليم داتا الاتصالات الى الأجهزة الأمنية لكي تؤدي المهام الأمنية المطلوبة منها في حماية الناس.

بعد التصريحين، اتضح ان إشكالية داتا الاتصالات "اكبر" من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في آن، أو هكذا يُفترض، وإلا كيف يمكن تفسير أن يضطر الرئيسان الى الاعراب علناً عن موقفهما، من دون أن تأخذ مواقفهما طريقها الى التنفيذ. وهل اصبح قرار وزارة الاتصالات أقوى مما قد يقرّره رئيسا الجمهورية والحكومة؟ وهل صحيح أن القانون لا يسمح، لوزير الاتصالات بتسليم داتا الاتصالات؟ وهل الاختباء وراء القانون يمكن أن يُخفي أن الأزمة أعمق وأبعد من قانون من غير المسموح تجاوزه؟

وزير الاتصالات نفسه قال ان وزارته ليست وزارة أمنية، وانه غير معني سوى بالشق التقني في هذا الملف. لكن الوقائع تُظهر أن الوزارة تحوّلت الى محمية خاصة، وأن مصالح الفريق السياسي الذي يمثله الوزير هي الخط الأحمر الوحيد، في حين ان كل القضايا الاخرى مُباحة.

هذه القضية تقود الى فتح ملف الوزارات، التي يجري تحويلها الى محميات سياسية، يتم تقاسمها بالعدل والمساواة. وكل وزير يستخدم أوراق القوة في وزارته، لكي يخدم فريقه السياسي، ويراعي مصالحه الخاصة في الدرجة الاولى.

في نموذج وزارة الاتصالات، يتضح ان أوراق الضغط المتوفرة فيها كثيرة لعل أهمها، داتا الاتصالات والايرادات.

في الشق الاول، وبعد الوصول الى المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، من خلال حركة الاتصالات، وبعد النجاحات المتتالية في تعقب واعتقال العملاء الاسرائيليين، أدرك من يجب ان يدرك، ان الاتصالات كنزٌ أمني خطير، لا يمكن التهاون في مسألة التعاطي معه. ومنذ ذلك الحين، صار تسليم الداتا بالقطارة، وصار القانون فوق كل اعتبار! ليتمجّد اسم القانون، كم من جرائم تُرتكب باسمه. مع الاشارة هنا، الى ان القانون 140 الذي تتلطّى وراءه وزارة الاتصالات للادعاء انها غير مخوّلة تسليم الداتا الى الأجهزة الامنية، يتعلق اساسا في داتا التنصّت وليس في داتا حركة الاتصالات.

في الشق الثاني، أي الايرادات، تبدو وزارة الاتصالات منجم ذهب لخزينة الدولة، تعتمد عليها في تأمين مداخيل محترمة اقتربت من عتبة الـملياري دولار سنويا، (1.7 مليار دولار عن العام 2010) وهي بذلك، تحتل المرتبة الثانية بعد مداخيل الضرائب والجمارك. هذا الواقع أدرك أهميته الفريق السياسي الذي تسلّم هذه الوزارة منذ اربع سنوات. وتحوّلت المداخيل التي كانت تذهب مباشرة الى الخزينة، الى مادة للابتزاز والضغط. وتوقف تحويل المال الفوري، باسم القانون. اذ ان القانون يسمح للوزارة بأن تحتفظ بالايرادات في حسابها حتى نهاية السنة لكي يتم تحويله الى الخزينة. صحيح ان الدولة تضطر الى الاقتراض بفوائد السوق لتغطي النقص الناجم عن تأخير التحويل، لكن ما همّ، فالوزير محمي بالقانون الذي يسمح له بهذه المماطلة. هذه السياسة الكيدية، أدّت الى إلحاق الخسائر الاضافية بخزينة الدولة. لكنها توقفت اليوم، ربما لأن وزير المال ليس مصنفاً في خانة الاعداء، وعليه، لا مانع من تسهيل عمله. وقد عادت عملية تحويل ايرادات وزارة الاتصالات الى الخزينة الى وتيرتها الطبيعية.

كذلك اكتشف الفريق السياسي الذي يتولى حقيبة الاتصالات، ان للبلديات حصة من مداخيل الاتصالات لا تحصل عليها مباشرة، بل ان كل الايرادات يتم تحويلها الى الخزينة، ولاحقا يجري توزيع بعض الاموال على البلديات، من دون ان تحصل الأخيرة على نصيبها الكامل من الايرادات. وبما أن البلديات ملف شعبي جذاب، وبما ان الناس قد يتعاطفون، من دون ان يدركوا الأهداف او المخاطر، مع اي طرح عنوانه إعطاء المزيد من الاموال للبلديات، وبما أن وزارات المال كانت مع فريق سياسي خصم، والضغط عليه عبر إغلاق الحنفية على الخزينة أمر مفيد على مستوى المناكفات السياسية، تبنّى وزراء الاتصالات المتعاقبون، سياسة احتجاز النسبة المئوية من الايرادات المخصّصة للبلديات في حساب خاص في مصرف لبنان، أطلقوا عليه سياسياً، تسمية حساب البلديات. لكن المفارقة ان الاموال التي تودع في هذا الحساب، والتي لم تصل حتى الان الى البلديات، منذ سنوات، تكدست وتكوّن مبلغ محترم في الحساب. وقد أدرك وزراء الاتصالات، ان هذا المبلغ الضخم لا يمكن ائتمان البلديات على صرفه، ولا بد من تنظيم صرف هذا المبلغ الضخم. وهكذا تمّ تجميد الأموال، بانتظار الصيغة المناسبة. وسيسعى الفريق السياسي الذي يستثمر حاليا في منجم الاتصالات ان يجيّر أي مشروع لتوزيع المال على البلديات، أو اتحاد البلديات، لدعم الموقف الشعبي لتياره السياسي، وجذب العطف باتجاهه.

وفق هذا الاسلوب يتمّ تسيير وزارات الدولة، ولهذا السبب تعجز الوزارات في معظمها عن آداء المهمة الاساسية الموكولة اليها، وتتحوّل وزارات التنمية والاقتصاد، ووزارة الاتصالات واحدة منها، الى مناجم ومحميات لتحقيق المكاسب السياسية والمنافع المادية والشخصية، وتصفية الحسابات مع الخصوم. في النتيجة، من البديهي أن هذا النوع من الادارات للوزارات، لن يخدم الاقتصاد، ولن يساعد في خفض حجم الدين العام، ولا في تحسين مستوى عيش الناس.

 

Exit mobile version