شاهدنا العنف يتفاقم في طرابلس طوال أسبوعَين، ونحن نعلم تماماً أن الأمور لا تنتهي على خير في لبنان. كان القلق والخوف واضحين فيما راح السياسيون يدلون بتصريحات متوقّعة، والمعلّقون يحلّلون ويتكهّنون، ولجأ آخرون إلى الصلاة عسى أن ينتهي المأزق قريباً ويعود كل شيء إلى "طبيعته".
الحرب هي من طبيعة الأمور في لبنان. إنها من الثوابت التي ترافق الناس في عيشهم ومأكلهم ونومهم، حتى انها ترافقهم إلى المطاعم والملاهي الليلية. تعبق رائحة الحرب من التبغ الذي يدخّنونه في سجائرهم ونراجيلهم، وتهبط عليهم الحرب مع أشعّة الشمس نهاراً، وتتناثر شظاياها عبر النجوم ليلاً. الحرب جزء لا يتجزأ من حياة جميع اللبنانيين. يُلقِّمونها للأطفال مع الحليب وحبوب الفطور. وتُغرَس في النفوس من طريق المناهج الدراسية، فترسم خطوطاً فاصلة داخل المجتمع، وتسلّط الضوء على الاختلافات الدينية وتؤلّب المجموعات بعضها على بعض. الحرب هي النسيج الأساسي في السياسة اللبنانية منذ نشأة البلاد الحديثة وعبر مختلف المنعطفات والتقلّبات، والتنقيحات والتعديلات الدستورية. الحرب هي في أساس كل ميثاق ومجهود للمصالحة، مع العلم بأن هذه المساعي لا تقود اطلاقا نحو الحل الأمثل للجميع، بل تهدف إلى إرضاء رغبات الحفنة القليلة التي تلجأ إلى الصراخ والوعيد. والحرب ماثلة في لبنان من خلال الجهود التي تكتفي بتضميد المشكلات التي تطرأ على مر السنين بدل معالجتها كما ينبغي ومتابعتها من أجل بلوغ الحال السويّة. ولا شك في أن الحرب هي القوة المحرِّكة خلف الميليشيات التي تتدجّج بالسلاح وتتعهّد بالولاء لرايات مختلفة غير العلم اللبناني العظيم.
هناك كثرٌ مستعدّون لفعل أي شيء كي تبقى نيران الحرب مستعرة سواء على أرض الواقع أم في أذهان رجال لبنان ونسائه وأطفاله.
يخشى عدد كبير منا عودة الحرب الأهلية نتيجة الصدامات في طرابلس أو عقب المواجهة التي تسبّب بها مقتل أحد الشيوخ على ايدي عناصر من الجيش اللبناني في ظروف لا تزال غامضة… ويشعر كثر بيننا بالقلق لأن"حزب الله" لا يزال الميليشيا الوحيدة التي يُسمَح لها قانوناً باقتناء السلاح والحصول عليه بعد وقت طويل من انسحاب إسرائيل من لبنان وانتفاء علّة وجود الحزب أي "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي". إذا كان هناك أشخاص بيننا يتوجّسون دائماً من الحرب ولا تبارح تفكيرهم، فالسبب هو أننا نعلم تماماً أن الحرب لم تنتهِ عام 1990.
لا، لم تنتهِ الحرب قط! يعيش لبنان واللبنانيون ومن حولهم هذه "الحقيقة" المخادعة منذ وقت طويل.
وإلا لماذا سارعت بلدان مثل البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت إلى الطلب من رعاياها مغادرة لبنان وعدم التوجّه إليه على خلفية الأحداث الأخيرة التي تُعتبَر محدودة النطاق في إطار المشهد العام للصحوة العربية؟ لو انتهت الحرب فعلاً، لماذا سيطر "حزب الله" إذاً على بيروت في عرض للقوة والذعر في 7 أيار 2008؟ لو انتهت الحرب حقاً، لماذا تحوّلت حادثة في طرابلس تصعيداً سنّياً شاملاً في بيروت بين ليلة وضحاها؟ هل تقوم كل الفصائل الآن بعرض قوّتها أمامنا كي ترينا ما هي قادرة عليه؟
نستطيع أن نستخلص ثلاثة دروس من العنف الذي شهدته بيروت ليلة الأحد. لم تنتهِ الحرب أصلاً كي نخاف عودتها. الجميع في لبنان مسلّحون، ولا يزالون في حال حرب مع أنفسهم ومع "الآخر". وفيما يحرق العرب أنفسهم للمطالبة بالحرية، لا يزال الناس في لبنان يلعبون لعبة الحرب، اذ يشعلون الإطارات، ويطلقون النار على كل ما يتحرّك، ويروِّعون الأبرياء، لكنهم لا يطالبون اطلاقا بالحرية أو يحقّقونها!