يجب على الطبقة السياسية اللبنانية ان تعترف بأن "حزب الله" يعمل وفق رؤية بعيدة المدى للامساك بجميع مفاصل الحكم في لبنان. ان مراجعة تسلسل الازمات السياسية اللبنانية منذ انسحاب الجيش السوري تعطي صورة مسار تصاعدي يتقدم فيه "حزب الله" للامساك بالرئاسات الثلاث.
لذلك على اللبنانيين التعامل مع حقيقة ان معركة "حزب الله" لن تتوقف حتى يتمكن من تنصيب رئيس جمهورية جديد يدور بشكل كامل في فلكه السياسي. فتجربة الرئيس التوافقي والوسطي هي تجربة فاشلة في نظره.
ويبدو ان تسارع الاحداث في سوريا والمنطقة فرض على "حزب الله" تقريب موعد انجاز خطته. "فانتخاب" رئيس جديد لا يبدو بعيداً، اذا تمكن فريق 8 آذار من اجبار مجلس النواب على عقد جلسة تشريعية في غياب حكومة حائزة ثقته. ان عدم فهم منطق "حزب الله" ينبع من ان الحزب يتبع منطقاً سياسياً متحركاً بحيث تتغير المعادلات السياسية تبعا لمتطلبات المعركة. وفي ما يلي امثلة تلقي الضوء على الطبيعة المتحركة لمنطق 8 آذار السياسي والذي يشير خطه البياني المتصاعد الى ان الهدف النهائي ليس اقل من السيطرة على لبنان ورئاساته الثلاث. نورد في ما يلي امثلة على ذلك: فوز 14 آذار بحوالى 60% من مقاعد مجلس النواب اللبناني خلال دورتين انتخابيتين تساوي بمنطق "حزب الله" اكثرية وهمية مسروقة ضعيفة ولا تمثل حقيقة تطلعات الشعب اللبناني، وبالتالي غير قادرة على تشكيل حكومة بمفردها بمعزل عن 8 آذار.
اكثرية اربع نواب اخذت تحت رايات القمصان السود تساوي بمنطق "حزب الله" اكثرية حقيقية ممثلة وقادرة على بناء الدولة القوية القادرة والعادلة ووقادرة على تشكيل حكومة بمفردها.
زعيم وطني ينتمي الى 14 آذار يساوي بمنطق "حزب الله" كاذب وسارق، ولو كان الغدر رجلا لسمي باسمه. الزعيم نفسه تحت راية 8 آذار يساوي بمنطق "حزب الله" زعيم وطني وصادق ومقاوم.
الثلث الضامن لفريق 8 آذار المطلوب لتأليف حكومة برئاسة سعد الحريري يساوي بمنطق "حزب الله" 11 وزيراً من اصل 30.
الثالث الضامن المطلوب لتأليف حكومة برئاسة نجيب ميقاتي يساوي بمنطق "حزب الله" لا شيء.
حكومة قائمة بأغلبية ثلثين من اعضائها تساوي بمنطق "حزب الله" حكومة فاقدة للشرعية والميثاقية يقفل مجلس النواب في وجهها ثلاثة اعوام.
حكومة مستقيلة بوجود رئيس مكلف ورئيس حكومة تصريف اعمال تساوي بمنطق "حزب الله" حكومة يستطيع ان يجتمع مجلس النواب للتشريع بوجودها. والامثلة كثيرة.
ان احتمال تغيير النظام السوري يدفع "حزب الله" الى التعجيل في انجاز المرحلة الاخيرة من خطته وبالتالي اسقاط رئاسة الجمهورية تمهيدا لانتخاب رئيس جديد بالنصف زائداً واحداً اذا اقتضى الامر، فللضرورات احكام!
وهذا الاحتمال يطرح اسئلة على كل الاطراف الفاعلة في لبنان: ماذا سيكون موقف الجيش اللبناني؟ ماذا سيكون موقف وليد جنبلاط بصفته مالك الاصوات المرجحة؟ ماذا سيكون الموقف الدولي من تحول لبنان دولة فاشلة (state failed)؟ ماذا تستطيع قوى 14 آذار ان تفعل لمواجهة هذا الاحتمال؟
لذلك على القيادات اللبنانية عدم التلهي بما يحصل على الصعيد الحكومي، لأن الهدف الحقيقي هو رئاسة الجمهورية. فان "حزب الله" هو اذكى من ان يقع في خطأ قوى 14 آذار عام 2005 حين ادى ترددها في اسقاط الرئيس لحود اجهاض "ثورة الارز".
ختاما، قد يكون من المفيد على المدى البعيد اعطاء "حزب الله" وفريق 8 آذار فرصة حكم لبنان ليرى اللبنانيون نتيجة هذا الحكم ويقرروا انهاء مرحلة زعيم زعماء مسيحيي الشرق وباقي اطراف الغالبية الجديدة في الانتخابات المقبلة. اللهم الا اذا هبط الوحي على المعنيين ووجدوا حلا يؤسس لمرحلة جديدة تنهي معاناة هذا الشعب الذي لم يذق طعم الاستقرار منذ اربعة عقود، ويبدو ان المنطق المتحرك ذاته يسير فيه الى ازمة جديدة أعنف من سابقاتها!