#adsense

فليتأمل الجنرال عون في تجربة جنرال محترَم

حجم الخط

لو كانت إرادة الله لم تختر الرئيس جمال عبد الناصر ليرحل إلى دنيا الآخرة يوم 28 أيلول 1970 عن 52 عاماً لكان الآن بيننا شيخ في الرابعة والتسعين من العمر، ولكان في حال أسعفه الوضع الصحي يتقدم مشيعي رفيق مسيرته زكريا محيي الدين الذي رحل صباح الثلاثاء الماضي (15 ايار 2012) عن 94 عاماً أيضاً مكلَّلاً بسمعة تستحق التقدير. ونكاد نقول إن زكريا محيي الدين أحد نجوم ثورة 23 يوليو 1952 إلى جانب كوكبة من ضباط الجيش المصري المكسور المعنويات نتيجة السلاح الفاسد الذي لم يحقق لهم أمنياتهم في منازلة الجيش الإسرائيلي في حرب فلسطين، قرر بعد الصدمة الناشئة عن رحيل عبد الناصر عن 52 سنة، وقبل ذلك ما أعقب الأيام الأولى للهزيمة يوم 5 حزيران 1967، أن يسجل في كتاب التاريخ المخضرَم للحكم في مصر أي بين عام الثورة (1952) وعام الهزيمة (1967) الموقف الذي يجمع بين الزهد في المنصب واحترام النفس ودحْض القال والقيل في شأن وضعيته. وبعدما رأى عبد الناصر كعلاج سريع لجراح الهزيمة أن يكون زكريا محيي الدين رجل المرحلة مِن بعده والمُحاور المصري لللإدارة الأميركية، فإن زكريا محيي الدين الذي لم يمارس كغيره من بعض ضباط ثورة 23 يوليو لعبة الصراع مع أنه كان يملك من أوراق اللعبة ما من شأنها تحقيق مكاسب فورية له ويسبق بذلك آخرين وبالذات أنور السادات إلى الترؤس، فإنه قرر عدم ممارسة هذه اللعبة وغادر إلى مسقط رأسه قرية «كفر شكر» في محافظة القليوبية يعيش كمواطن عادي محاطاً بأفراد اسرة مستقيمة وأحفاد سعداء بجدهم صاحب الشأن التاريخي في ثورة 23 يوليو 1952. وفي هذه الإقامة الهادئة له بين منزله في القاهرة البعيد عن البهرجة وبيت العائلة في القرية لم يُدْلِ بتصريح ولا كتب مذكرات ولا تجاوب مع إعلاميين كثيرين كانوا يريدون إجراء حوارات معه. وكان هذا «الصندوق الأسود» للثورة المصرية غنياً بما يحويه من حقائق وأسرار عن أهم سنوات الحقبة الناصرية بحكم المناصب التي شغلها سواء كمؤسس لجهاز المخابرات المصرية أو كوزير للداخلية أو كواحد من نواب رئيس الجمهورية. وهنا من الجائز القول إن من دوافع زكريا محيي الدين إلى الابتعاد طوعاً وبكامل الإقتناع كان تكليف عبد الناصر له بـ «الدور الاميركي» ثم هتافات ضده من جماعات في الاتحاد الاشتراكي الذي تقوده رموز تفضل تعزيز العلاقة مع الاتحاد السوفياتي والإبقاء على العلاقة متوترة مع الادارة الأميركية، فضلاً عن أن هذه الرموز وضمن لعبة الصراع المستتر أحياناً الظاهر أحياناً أخرى في المشهد السياسي ترى أن من حقها أن تواصل بعد إنتكاس مكانة عبد الناصر بسبب الهزيمة ورهانه الخاسر على أقرب رفاق الثورة إليه المشير عبد الحكيم عامر.

ولقد آثر زكريا محيي الدين الإبتعاد لأن إرتضاءه الدور المطلوب منه سيجعله في نظر الناس مضطراً لتنازلات كتلك التي كان أنور السادات أكثر قبولاً بتنفيذها ومنها إبرام اتفاقية «كامب ديفيد» والإنتقال بمصر من طرف فاعل في الصراع العربي مع إسرائيل إلى دولة بل الدولة العربية الأكبر، تبادر إلى تدشين مرحلة فتْح الباب أمام إجتهادات عربية في إمكانية إقامة علاقات خاصة أو تجارية لا ترقى إلى درجة الصلح مع إسرائيل. ومثل هذا التوجه كان ضد رؤية زكريا محيي الدين للصراع العربي – الإسرائيلي، ومن أجل ذلك وجدناه ينأى ويفضل على حد قوله ذات لقاء به في القاهرة، الاهتمام بتربية الأبقار في مزرعة للعائلة في مسقط رأسه «كفر شكر» وتغييب نفسه تماماً عن الحياة العامة. وبذلك كان نموذجاً لرجل الدولة الذي أحال نفسه إلى «المعاش» من العمل الرسمي القيادي فكان بذلك محترِماً تاريخه ورصيده ودوره. ومن دون أن تغويه عروض أو يزعجه أن لا تأتيه عروض.

في المقابل كان آخرون من رموز ثورة 23 يوليو 1952 لا يتحملون أن لا دور لهم ومن هؤلاء بالذات الرمز الحي الأهم حسين الشافعي الذي لم يتحمل تجاهُل أنور السادات له، كما لم يتحمل أن الرئيس حسني مبارك الذي إختاره السادات نائباً له سار على المنوال الساداتي نفسه من حيث تغييب الشافعي وسائر الباقين على قيد الحياة من رموز ثورة 23 يوليو عن دائرة الضوء الرسمي. وكان كثيرون يأخذون عليه أنه لا يعقد مع هؤلاء بين الحين والآخر جلسات تشاورية يصغي فيها على الأقل إلى رؤيتهم لبعض القضايا، فضلاً عن انه بذلك لا يأخذ في الإعتبار وفي الاحترام أن الجمهورية التي يترأسها هي نتاج فِعْل التغيير المتمثل بثورة 23 يوليو 1952.

يبقى اننا ونحن نعيش منذ أربعة عقود فترات حُكْم تولاها ضباط لم يكونوا عند حُسْن ما يتمناه المواطن منهم، نجد أنفسنا نقارن بين نهايات هؤلاء وبين الخيار الذي إعتمده زكريا محيي الدين. أولئك أمعنوا تخبطاً وعدم تقدير للظروف فإنتهى مََن إنتهى منهم مقتولاً أو غير مأسوف على نهايته أو مصراً على نيل المطالب بالإساءات والإفتراءات وبالتحالفات غير الموضوعية على نحو ما هو حاصل مع الجنرال ميشال عون، في حين رسم زكريا محيي الدين في المشهد العام صورة رجل الدولة الذي يقرأ بعناية التطورات ويترك شخصه وسمعته في منأى عن أهواء السلطة ونزواتها كما لا يمارس لعبة الكيد والثأر وتسديد حسابات وبالذات مع الذين باتوا مستضعَفين وقد إنحدروا من عالي السلطة إلى سافلها. وهنا يجوز القول إن زكريا محيي الدين الذي لا بد سيجسد دوره ذات يوم عمل تلفزيوني عن «رحيل جنرال محترَم» كان من رجال – جنرالات الدولة العرب الذين تتوق الأجيال إلى الوقوف عما تختزنه الذاكرة من وقائع وأسرار ومواقف لكن مع شديد الأسف ذهبت بإنتقال هذا العسكري العربي المحترَم إلى جوار ربه فيما الممارسات العسكرية التي تفتقد إلى الحسْ المسؤول تتواصل وكأنما هي مسلسل تركي أو مكسيكي.

وفي نهاية الأمر إن زكريا محيي الدين لم يخسر في ما إختاره. أليس الزهد وإحترام الذات وعدم السير على طريق المكايدة والإنتقام والتهميش والإفتراء ونكران الجميل من الصفات الحسنى في الإنسان الذي يعنيه كثيراً ضميره ويعنيه أكثر وطنه.

والكلام برسم الجنرال ميشال عون وجنرالات آخرين منتظِرين

المصدر:
اللواء

خبر عاجل