#adsense

طرابلس والملحقات

حجم الخط

 ليس في العادات الذهاب إلى طرابلس، إلا لأهل الشمال. الباقون كان يخيل إليهم بالانطباع، أنها لا تقع في لبنان. فالعرب كانوا يعرفونها "طرابلس الشام"، تمييزاً لها عن "طرابلس الغرب". وكان اسمها يوحي دائماً برهبة ما. فهي مدينة شديدة المحافظة عند الطبقات المرتاحة والميسورة، ومدينة مغلقة الأزقة، محظورة الحارات عند طبقات اليأس والإهمال وشوارع الإعداد للسجون والتمرد.

لم أذهب الى طرابلس الا ثلاث مرات، في ثلاثة انطباعات. الاولى الى محاضرة للشيخ احمد حسون، مفتي حلب يومها، وبدعوة منه. دخلت القاعة المدرّجة بشعور شديد الغربة واتخذت مقعدا خلفيا، لكن عددا من المشايخ اصروا على ضيافة الصف الامامي. كنت الوحيد بثوب افرنجي، اضافة الى مواطنين شهيرين من المدينة: الرئيس نجيب ميقاتي والوزير عمر مسقاوي.

الباقون، جميعا، كانوا لباسا عربيا، سواء معممين أو عاديين. أوحى المشهد ان طرابلس عادت الى العهد المملوكي(1)، مدينة لن تنزع من ذاكرتها انها ضحية الصليبيين وهازمتهم.

الرحلة الثانية كانت بدعوة من نقيب المحامين رشيد درباس لإلقاء محاضرة. تأملت وجوه الحاضرين من خلف المنصة فرأيت بقايا طرابلس القومية واليسارية. فتيات حاسرات، واخريات في حجاب متردد، ورجال من ايام الحلم العربي ولغة اليسار واختلاط مصطلحات ماركس بتعابير عبد الناصر وميشال عفلق.

الزيارة الثالثة كانت لمعايدة الراحل موريس فاضل بالفصح. كان معظم العوّادين من بؤساء الفقر الذين يتذكرهم في افطارات رمضان ويتذكر ابناءهم في اول الموسم الدراسي. لا يملكون ثمن الحلوى في مدينة الحلويات، ولا رسم التسجيل في المعارف. لذلك سماه سياسيو طرابلس للدعابة "سماحة الشيخ موريس".

في الزيارات الثلاث كنت اخشى ان تعلن طرابلس انفصالها قبل عودتي الى بيروت. أو قبل ان تعود هي الى العصر المملوكي و"قبة النصر"، التي صارت – لحسنات الاختصار – "القبة". ظلت الدولة تهمل الجنوب وتتناسى وجوده، الى ان اعلن معروف سعد "الجمهورية العربية اللبنانية" من صيدا، ومنها انطلقت شرارة الحرب التي ادت في نهاية المطاف الى قلب النظام السياسي، وتحوّل الموارنة من زعامات الى فروع تبحث عن قانون انتخاب يحفظ ماء الوجه وراحة الكراسي.

حاول فؤاد شهاب توضيب الاجزاء الطافرة من لبنان الكبير: الهرمل والجنوب وطرابلس. وفي سبيل احتضان الاخيرة جعل رشيد كرامي، زعيم المدينة الثانية، رئيسا للوزراء في سرايا العاصمة. هو كان رجل "كابيلا"، يصلي في الحديقة، وكرامي كان يعد سجادة الصلاة في السفر قبل حقيبة الثياب. لكن عهد فؤاد شهاب مرَّ قصيرا في لبنان وعابرا في طرابلس. وفيما اعلن معروف سعد "الجمهورية العربية" من صيدا، كان فاروق المقدم يحتل القلعة في طرابلس، في خليط من العروبة واليسار واستعادة الزمن القديم.

التحق الاثنان، ومعهما سائر الحانقين على الدولة وحتى على "الكيان"، بركب الثورة الفلسطينية. فماذا يخسر الثوريون؟ مثل الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرون. اختلطت نقمة الفقر بنقمة مدن الصفيح ببلسم ماركس، عم الرفاق، بالحماسة الفلسطينية، بالازدراء لنظام غربي الملامح، يقف عائقا في وجه استعادة القدس وسائر الاراضي السليبة.

توزعت الحرب على كل المناطق وكل المراحل، لكن طرابلس حربها كانت في داخلها. ارتدّت على نفسها، تريد الخروج من لبنان من كل الابواب. من باب 1958 ومن بوابة الشيوعية ومن بوابة الثورة الفلسطينية، نكاية بدولة لا تلتفت اليها ولا تعترف بها.

لكن الابواب سدّت، واحداً بعد الآخر. تهالك القوميون واليساريون، كما في سائر العالم العربي، واتسعت أبواب الدخول الى الاحزاب الاسلامية. واذ كانت الهزيمة المستدامة دافعَ العرب، كان لدى طرابلس دافع اضافي، هو عدم احساس الدولة بأي التزام معنوي او ادبي حيال المدينة المنسية، بل المعزولة. فكأنها جمهورية قائمة بذاتها، سياسة واقتصاداً ومجتمعاً وعادات، تعبّر عن ذلك كله بلهجتها المطهمة. وقد اضافت الى مظاهر الانفصال، اللباس العربي والقلنسوة وكثافة اللحى وكثرتها. صارت هناك مناطق كاملة مثل كراتشي، ينقصها السروال. وإلى الحارات المغلقة، تعدّدت النفوس المنغلقة على نفسها. وتحولت تقاليد المدينة من الزعامات الى الدعاة. ولم يعد ينقص الطلاق سوى تأكيد المرة الثالثة.

هل كانت الدولة غائبة عن طرابلس ام ممنوعة؟ هل كانت واعية ام عاجزة؟ لقد خسرت طرابلس في اغتيال رشيد كرامي – كما خسر لبنان – تلك المرحلة التي كانت فيها غالبية المسلمين اهل ايمان واعتدال.
وكان رجال الدولة المسلمون يعتقدون ان الطريق الى تعويض الخسائر هو الطريق الوسط، عملا بالقول الكريم "وكذلك جعلناكم امة وسطا". فالخسائر لا تعوض بتقويض الاستقرار وتعميم الخراب واشعال الفتن. واذ اغلقت دائرة الوسطية – في طرابلس كما في بقية لبنان – وعلا الصراح وسقط الخطاب، أعلنت طرابلس يأسها فيما اعلنت الدولة افلاسها.

ماذا في طرابلس اليوم؟ لا ادري. هشاشة طرابلس ونفورها أم هشاشة الجمهورية وأعمدتها وزواياها ومرتكزاتها؟ لا أدري. طويلة المسألة، أم عابرة؟ لا أحد يدري. ومثل كل مواطن تعبتُ من انتظار الاجوبة على اعتاب الآخرين، والعوم في هذه المتاهة المفزعة التي تؤدي كل طرقها الى اليأس. وطن يبحث أبداً عن قانون انتخاب، فيما يجب ان يبحث عن ناخبين. يبحث عن مخارج من الازمات فيما ينبغي ان يبحث عن مداخل الى الدولة والقانون واخلاقيات المشاركة.

ماذا ستفعل النسبية في ما لم يفعله القضاء او المحافظة؟ وأين سنبحث عن "الدائرة الواحدة"؟ في قطر؟ وعن القرار المستقل؟ في دمشق؟ هل هي مأساة القانون أم مسألة شعب برمته خارج على كل قوانين الأرض. كأنه لم يعد أمامنا لبلوغ سعادة الامم سوى العتبة الاخيرة: قانون الانتخاب! الخداع أسوأ من الكذب، لأنه يستهدف البلهاء وناكري التجربة.

ايها الاخوة في الغباوة، هذه لعبة الثلاث ورقات. لو اخترت الورقات الثلاث معا، سوف تخسر. والرجل الى جانبك الذي يتظاهر بالاندفاع في اللعب إنما هو شريك صاحب اللعبة. رويت لجنابكم مرارا كيف كان جدي "بو قيصر" يعرض علينا لعبة الحزازير في الساحة: اذا ربحتو بتجيبولي قضامي، واذا خسرتو بتجيبولي ملبّس! هذا كل ما هو معروض عليكم.

طرابلس ثم عكار. ها نحن نكتشف الملحقات. قام رئيس ايران بزيارة الجنوب الداخلي ورئيس تركيا بزيارة عكار. كلاهما ممنوع على رئيس لبنان.
اذا كان المظهر تعبيراً عن الانتماء واعلاناً عن حقيقة الهوية، فإن قلنسوة الشمال وتشادور الجنوب، تصريح عن مدى الروابط بلبنان. في الماضي كان يصار الى نكران الانتساب من خلال خطب المناضل عدنان سلطاني، المتباهي باغتيال كامل مروة. ثم لم تعد الاغتيالات عملا فرديا مع تطور صناعة "السمتكس". أليس هذا بلد التقدم والسباق الى تبني التكنولوجيا والذي اخترع كيفية العيش من دون كهرباء او ماء او قانون؟

فجأة نتوقف – مرغمين – عن متابعة المسلسلات المكسيكية والتركية، كي نشاهد، قسرا، المسلسل اللبناني "الذي ينتظره الجميع" من بطولة مهنّد الذي شغف نساء العرب حبا، الى بطولة الزواريب القابعة في الانتظار. فجاة تتأهب الامم عند المفارق. وتفتح مستودعات الدواليب. ويتذكر اللبنانيون، في خوف، المضحك الراحل "فهمان" وهو يأخذ التحية قائلا: أمرك سيدنا.

وطن مؤلم ودولة مفجعة. وشعب مؤسف. ولا يلتقون الا عندما تجمعهم الدواليب والحرائق وتبادل الخشونات والفظاعات والتكاره. وطرابلس عنوان شديد الاقتضاب لدولة لا تقوم، ووطن لا يقام وشعب لا ينهض الا ليؤدي تحية فهمان، بصرف النظر عمن هو سيدنا.

يأتي سيدنا دائما من الخارج، ومعه دفتر عناوين، وروزنامة عليها صور جميع أسيادنا، ومكتوبة بلغات عدة. ويتذكر الشعب الأبي ان عليه التضحية الكبرى بالتوقف عن متابعة مشاكل الفتى مهنّد. ثمة مسلسل على أبوابه. او بالاحرى داخل البيت. بيت حذّر غسان تويني قبل اربعين عاما، من انه بلا سقف. ثم اضاف: وبلا جدران.
(1) طرابلس، محمد ابي سمرا، دار الساقي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل