"فلا تحمين عن الأمور تعززاً
فقد يورث الذل الطويل التعزز"
(محمد الواسطي)
قد يكون الإسراف في التشاؤم، هو الدافع اليوم الى تذكّر سلسلة الأحداث التي أدخلت لبنان عشية 13 نيسان 1975 في محرقته المستمرة، وأذكر بالذات عملية اغتيال الشهيد معروف سعد!
لقد نُسبت هذه الجريمة يومها الى الجيش اللبناني، وكثرت الروايات المتضاربة عن حيثياتها، ولكن في النهاية لم يتم البوح بنتائج التحقيق، هذا إن حصل في الأصل. صحيح أن يومها لم تأت الحرب الأهلية كنتيجة مباشرة لهذه الجريمة، ولكن كما يذكر من هم مثلي الذين عاشوا هذا الكابوس، أن تداعيات الجريمة بقيت ناراً تحت الرماد زاد في اشتعالها تتابع الأحداث التي كان بعضها يبدو فردياً أو عفوياً، ولكن في المحصلة العامة فقد دخلنا في محرقة البلد كقطيع من الدواب دون هدى.
لا شك يومها بأن عدم إجراء أو إعلان نتائج التحقيق أو محاسبة المسؤولين زادا في إضعاف عامل الثقة، الضعيفة أصلاً، بين جزء من المواطنين وبين المؤسسات الأمنية، ونذكر الشعارات التي كنّا نرفعها عن اتهام الجيش بأنه "جيش السلطة العميلة!".
كل هذا ليس من قبيل "تهبيط الحيطان"، فمن لا يتعلم من تجارب الماضي يقع في الخطايا نفسها في الحاضر وفي المستقبل. لذلك فمن سيحاول التعامل من المسؤولين مع هذه الجريمة الكبرى على أساس أنها "حادث مؤسف"، فهو إما مسطول وإما مشارك في تأجيج تداعيات الجريمة. إن السبيل الوحيد الى الخروج من هذا المأزق بالذات هو في انتاج رواية مقنعة للناس، قد يكون أفضلها ما حدث بالفعل. أي الحقيقة.
لا ينفع اليوم الايحاء، ولو بخجل، بأن الضباط والعناصر الذين شاركوا في الجريمة كانوا في وضعية الدفاع عن النفس، فلو كان الوضع كذلك لما كان ترك سائق السيارة حرّاً.
كما أنه لا يُجدي نفعاً إرسال لائحة بالأسلحة المضبوطة، فهذا بحسب العرف في لبنان لا يشكل سبباً لتنفيذ عقوبة الاعدام بحاملي السلاح، وإلا لكان نصف الشعب اللبناني في عداد الأموات.
والواضح هو أن التقرير الذي بُعث به الى القيادة لم يتضمن أي إشارة الى أن سيارة الشيخ أحمد شكلت في أي وقت من الأوقات خطراً داهماً على حاجز عسكري معزز ومستعد لكل الطوارئ.
إن أية جريمة لا تقاس فقط بتفاصيلها بل هي تقاس بحجم تفاعلاتها. ولو فرضنا أن المسؤولين عن الحاجز تصرفوا من دون نيات مبيتة، فهذا يعني على الأقل بأن مصير المواطنين المارين على الحواجز وحياتهم يخضعان لمزاجية ضابط أو عنصر غير متّزن لا أخلاقياً ولا وطنياً، وهنا تصبح المؤسسة بأجمعها في موقع المساءلة.
أما إذا ثبتت النيات المبيتة، وهو المرجح، فهذا يعني بأن العقاب يجب أن يكون على أساس أن الجريمة هي بحجم الخيانة العظمى لأن تداعياتها قد تؤدي الى فتنة لا يمكن حسبان نتائجها.
لذلك، فعلى المؤسسات السياسية التي تأمر المؤسسة العسكرية أن تعي خطورة الموقف وأن تعتبر أن مصير وطن بأكمله قد يكون مرتبطاً بكيفية إدارة هذه الأزمة، وأن المؤسسة العسكرية هي مجدداً في موقع الدفاع عن وحدتها ووجودها في صف واحد مع المواطنين الذين استهدفتهم الجريمة.
أما من ناحية أخرى، فإنه من السهل اليوم، بعد استعراض أحداث الأيام الماضية في طرابلس وعكار، وبعد ربطها بتصريحات سابقة لبشار الأسد، وأقوال مندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري، وما أشيع عن إضبارة أوامر من نظام بشار الى مسؤولين في لبنان، ومع معرفة ارتباط بعض من في الأجهزة وفي المؤسسات بمعسكر الممانعة، وبناء على تجارب الماضي، فإنه على قيادات الصف الوطني في لبنان وعي خطورة الموقف وعدم الإبحار في منطق الشعبوية وإرضاء الجموع، كما أنه على المواطنين الوعي الى أن ما يظنونه بأنه ثورة على الظلم والقهر والإذلال من ردود فعل وعصيان وفوضى ومظاهر متطرفة، هو بالذات ما يريد معسكر بشار في لبنان استدراجهم إليه.
إن أهم عناصر الصمود هو الصبر، وما النصر إلا صبر ساعة واحدة، وصبرنا هو بالإصرار على تطبيق القانون والاستمرار بالدفع الى ذلك بكل ما يتناسب مع التعبير السلمي، وكل شيء غير ذلك لا يخدم إلا مصلحة من دبّر هذه المكيدة التي تهدف الى إدخال شعبنا مجدداً في المحرقة.