لا توحي التطورات الميدانية الحاصلة منذ أحداث طرابلس بأكثر من اتجاه الأمور إلى التصعيد الكامل الذي سيؤدّي إلى حشر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لا بل إلى حشر رئيس الحكومة شخصيّاً في لحظة حقيقة تأخّر قدومها.
ولكنّ هذه الحقيقة لم تتأجّل إلى درجة إعطاء الحكومة الفرصة تلو الفرصة، لتكون غطاء للعب على وتر الأمن المهتز كما حصل في طرابلس وعكّار، وكما يتوقّع أن يحصل في أكثر من منطقة يتمّ التحضير لها كي تكون بؤر اشتعال متنقلة وفق معادلة تصدير الأزمة السورية إلى لبنان.
وفي مراقبة دقيقة لحركة الرئيس ميقاتي في الأيام التي واكبت أزمة طرابلس، تبين لـ 14 آذار ولتيار المستقبل تحديداً أنّ آخر أوراق التوت سقطت عن الرئيس ميقاتي، فلا هو استطاع أن يمنع تركيب ملف القاعدة واعتقال مولوي، ولا هو استطاع أن يكبح جماح المسار الذي هدف إلى توريط لبنان بالأزمة السورية، وقد كان هذا السلوك واضحاً في مشاركة ميقاتي بتغطية بيان الجعفري من خلال البيان الهزيل الذي ردّ به على الرسالة السورية إلى مجلس الأمن، تلك الرسالة التي أوحت بأنّ رئيس الحكومة غير قادر على الوقوف حتّى في الهامش الضيق الذي يفترض أن يقف فيه للدفاع عن معادلة النأي بالنفس بما يضمن عدم تحويلها إلى انخراط كامل في معركة النظام السوري ضدّ شعبه.
ومن مفارقات النأي بالنفس كما يلاحظ مراقبون، إنّ رئيس الحكومة الذي جاهر بنيته عدم الاستقالة على رغم أن أحداث طرابلس كادت تودي به إلى انتحار سياسي، بدا وكأنّه لا يملك قرار استقالته، بسبب عوامل الترغيب والترهيب التي تمارس ضده، وهذا ظهر جلياً من خلال سكوته عن اعتقال المواطن القطري المتّهم بالانتساب إلى القاعدة، وبسبب عدم استطاعته حصر الأزمة مع دول الخليج التي كادت تهدّد بأوخم العواقب على الحضور اللبناني في هذه الدول، في حين كان يفترض به أن يكون على علم مسبق بأنّ قيام أحد الأجهزة الأمنية باعتقال العطية سيؤدي إلى هذه الأزمة، وبأنّ حرية الحركة التي تميّز بها من قاموا بهذه الخطوة مراعاة للنظام السوري هدّدت أوّل ما هدّدت صورة رئيس الحكومة، كما هدّدت الاستثمار الوحيد الذي كان يفاخر به وهو استثمار الحفاظ على الهدوء والأمن، واستثمار النأي بالنفس الذي إن كان يعفي الحكومة من اتّخاذ مواقف معارضة للنظام في جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي، فهو لا يعني أبداً الانخراط الطوعي أو الإرغامي في أجندة النظام السوري، وصولاً إلى تهديد الرعايا الخليجيين في لبنان والتهويل بتحويلهم إلى رهائن للتفاوض والضغط على دولهم بغية تغيير مواقفها من الأزمة السورية.
انطلاقاً من فقدان المبادرة التي حكمت أداء رئيس الحكومة في أزمة طرابلس، والتي دلّت على انّه تحوّل إلى رئيس لحكومة هزّ الاستقرار، وانطلاقاً أيضاً من فقدان شبه كامل للغطاء العربي عن هذه الحكومة فإنّ تسارعاً منتظراً في جهود إسقاط الحكومة يفترض أن تبدأه قوى 14 آذار في وقت قريب.
هذه الجهود تهدف إلى منع النظام السوري من الاستمرار بالتظلّل بالحكومة للاستمرار بتصدير أزمته إلى لبنان، كما تهدف إلى منع هذه الحكومة من إدارة الانتخابات النيابية المقبلة، نظراً لما قد تحمله هذه الإدارة من مفاجآت في موضوع قانون الانتخاب كما في إعطاء الغطاء للنظام السوري وحلفائه في سعيهم لكسب هذه الانتخابات بأي ثمن.
بعد أحداث طرابلس، التي استهدفت ميقاتي قبل أن تستهدف المدينة، بات على رئيس الحكومة أن يتّخذ القرار وإذا كان أحد ليس في مكان الرئيس ميقاتي ليختار بين البقاء أو الاستقالة، وكلاهما خيار صعب، فان أحداً في المقابل لن يوافق على استمرار مهادنة حكومة لا يستطيع رئيسها أن يمنع ضياع الإنجاز الوحيد الذي تغنّى به، أي إنجاز ضمان الاستقرار الأمني.