لقد جمع الشريف الرضيّ في العصر العبّاسي المختار من حكم الإمام علي بن أبي طالب وخطبه ومواعظه، في كتاب تتدفّق البلاغة على لسانه، ويعدّ في جلائل المعاني من بدائع العقل، ويجمع بين أقسامه سلك من الفصاحة يجعله في مصاف الكتب المعدودة من أمّهات الكتب. هو "نهج البلاغة" الحاوي جواهر الكلم، والمطبوع بمسحة العلم الذي فيه عظيم المنفعة. أمّا أن يهدى الى النائب ميشال عون، ففي ذلك فضيلة ولا أليق.
الجنرال عون خاتم من صنّفوا قدوة للناس، يدفعونهم عن الرجس والفساد الى طهر
السريرة، فكان من الطوباويّين كالذراع من العضد. في متن خطبه وإطلالاته إشارات
نبويّة يصعب على العاديّين من البشر الوقوف على مآربها. كلامه منسوج من نضج الفكر والأخلاق، ينساب كنبع الماء الصّافي في مرونة تصلح أن تدرّس في مناهج الدبلوماسيّة وسياسة التعاطي بين الأفراد والدول.
الجنرال عون يصدر عن طبيعة فكرية متوازنة، تستند الى المنطق والمعقوليّة، فالرجل ينتمي الى محجّة الحقّ والصّواب، ولا ينطق إلاّ بهما. وهو ثابت في مواقفه وتوجّهاته، طليعيّ في سيادة الموضوعيّة على ما يطرح، بعيد عن انحطاط اللغة والثرثرة غير المجدية التي تبعث على الملل، والمركّبة من غرور وكراهيّة وهلوسة وعزلة عقليّة تراجيديّة.
الجنرال عون لسانه لا يسبق عقله، مرتبط بالعلم والمعرفة المنظّمة التي يتهشّم أمامها الكلام الهذياني والفانتازيا العبثيّة. تستمع إليه فتظنّ أنّ عليّا (رضي الله عنه) مرّ من هنا. فكلامه يهدم قرون الظلام، يتلقّفه العطش الى تخصيب عقله القاحل فيغدو ريّانا بالأفكار النميرة المتدفّقة من "فم الذّهب".
الجنرال عون صادق في مبادئه، وبالأخصّ تلك التي نشّئ عليها في مراحل حياته الأساسيّة، كالولاء للوطن وسيادته، والوفاء للديمقراطيّة أمّ الحريّات وفي مقدّمها حريّة الإعلام، واحترام حقّ الدولة الحصري في بسط سلطتها على مساحة الوطن بقواها الشرعيّة. ومواقفه المتعاقبة خير ما يستدلّ به على صدقه والتزامه.
الجنرال إنسان سويّ يتأبّط مثلا عليا، وهو بعيد المدى، يحاسب نفسه إذا أخطأ، ويجيب إذا سئل، لم يسجد لصنم، مترفّع عن المبايعة، زاهد في المناصب يمنحها لمن رغب، قائد معصوم وقلب الوطن الواعي.
إنّ منسوب القيم متقارب بين الإمام القائد والجنرال القائد، فهل مصير "نهج البلاغة" مع الجنرال سوى التربّع في صدر المكتبة؟ قال الإمام عليّ سيّد الكلام ومرجع الفقه: "إذا تمّ العقل نقص الكلام"…