"فقد الرئيس بشار الأسد القدرة على عقد أي صفقة أو تفاهم مع الدول الاقليمية والأجنبية البارزة تنقذ نظامه وترفع عنه العزلة الواسعة، سواء من طريق التهديد بالفوضى أم من طريق إستغلال الإنقسام بين الأفرقاء اللبنانيين لمحاولة تفجير الأوضاع في لبنان أم من طريق إثارة المخاوف من نشاطات تنظيم القاعدة. فبات الأسد يعتمد على روسيا وحدها لمحاولة إخراجه من مأزقه الخطير، لكن القيادة الروسية تعطي الأولوية لحماية مصالحها وليس لحماية الأسد إذ انها اتفقت مع أميركا وفرنسا وبريطانيا والدول الأخرى الأعضاء في مجموعة الثماني على تغيير النظام السوري سلمياً وليس من طريق القوة. فقد أكد البيان الختامي لقمة دول مجموعة الثماني دعم جهود المبعوث الخاص المشترك الدولي – العربي كوفي أنان الهادفة الى "وقف كل أعمال العنف من أجل تسهيل إطلاق عملية سياسية إنتقالية يقودها السوريون تؤدي الى قيام نظام سياسي ديموقراطي تعددي". وأعرب عن الأمل في أن تبدأ عملية الإنتقال السياسي للسلطة في فترة قريبة. والدول الإقليمية والغربية المؤثرة ترفض التفاهم مع نظام الأسد وتعمل على تغييره وترى انه لم تعد ثمة حاجة سورية أو إقليمية أو دولية اليه، ذلك ان هذا النظام قضى على ذاته بذاته لأنه إستخدم وسائل العنف والقتل والقمع المختلفة في التعامل مع شعبه المحتج وارتكب جرائم ترقى الى مستوى الجرائم ضد الإنسانية إستناداً الى قرارات صادرة عن الأمم المتحدة. وصار نظام الأسد يشكل خطراً على سوريا وتهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة مما يتطلب من الدول المؤثرة أن تعمل جدياً على تغييره". هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية غربية وثيقة الإطلاع على مناقشات قمة دول مجموعة الثماني وعلى المشاورات المتواصلة بين باريس وواشنطن وموسكو في شأن الأزمة السورية ومصير الأسد.
وقال لنا مسؤول أوروبي معني بالملف السوري مباشرة ان الدول الاقليمية والغربية البارزة ترفض التحاور مع نظام الأسد مجدداً ودعم بقائه للأسباب الأساسية الآتية:
أولاً – أضاع نظام الأسد فرصاً ثمينة قبل نشوب حركة الإحتجاج لإقامة علاقات جيدة مع دول عربية معتدلة على رأسها السعودية ومع دول غربية بارزة في مقدمها أميركا وفرنسا وبريطانيا وللحفاظ على روابطه المتينة مع حلفاء مهمين كتركيا وقطر لأنه أراد أن يحصل من هذه الدول على كل شيء من غير أن يقدم اليها شيئاً. وهكذا أحبط الأسد مشروع المصالحة الوطنية الشاملة في لبنان الذي طرحه الملك عبد الله بن عبد العزيز وقرر مواصلة دعم حلفائه سياسياً وعسكرياً على حساب القوى اللبنانية الاستقلالية ، وتمسك بتحالفه الوثيق مع إيران ومساندته مشروعها النووي والاقليمي المتناقض مع المصالح الحيوية العربية والغربية.
ثانياً – ترى هذه الدول انه ليس ممكناً مواصلة التعامل مع نظام يحول سوريا ساحة مواجهة مفتوحة ويتحمل مسؤولية مقتل أكثر من 12 ألف سوري وإصابة الآلاف بجروح واعتقال عشرات الآلاف وتشريد أكثر من مليون مواطن في الداخل والخارج إستناداً الى أرقام الأمم المتحدة وإحداث أضرار مادية هائلة في مناطق عدة.
ثالثاً – يعارض نظام الأسد الاصلاحات الحقيقية المطلوبة في سوريا ويرفض قرارات الأمم المتحدة وتطبيق خطة المبعوث الخاص المشترك الدولي – العربي بكاملها ويخوض حرباً مصيرية دفاعاً عن وجوده ضد السوريين المصممين على إقامة نظام ديموقراطي تعددي وضد مجموعة كبيرة من الدول الداعمة لهم مما يجعله معزولاً إقليمياً ودولياً.
رابعاً – حرب النظام على المحتجين ضربت وأصابت المجتمع السوري بأسره وأحدثت شرخاً عميقاً بين هذا النظام والسوريين في غالبيتهم ليس ممكناً معالجته ما دامت التركيبة الحالية الحاكمة في السلطة ، كما ان هذه الحرب تسببت بفوضى أمنية واسعة غير مسبوقة وبتدهور كبير وخطير في الأوضاع مما يهدد بالأسوأ في سوريا والدول المجاورة لها. وأوضح المسؤول الأوروبي: "ان المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والغربيين عموماً مقتنعون، إستناداً الى معلوماتهم، بأن نظام الأسد هو الذي يتحمل مسؤولية وجود جهاديين ينتمون الى القاعدة أو الى تنظيمات أخرى في سوريا، من جهة لأن هذا النظام إستقبل في السنوات الاخيرة المئات منهم ودعمهم وأرسلهم الى العراق ولبنان ودول أخرى لتنفيذ عمليات إرهابية وتخريبية فيها ومن جهة ثانية لأن الفوضى الأمنية الواسعة تساعد على تحويل البلد ساحة مناسبة للجهاد. والجهاديون ينفذون عملياتهم من غير أن ينسقوا مع المعارضة السورية وعددهم محدود الى الآن لكنه قد يتزايد إذا تواصلت الحرب الداخلية. وهذه مسؤولية نظام الأسد الذي يلجأ الى العنف تهرباً من الحل السياسي والإصلاح الحقيقي والإعتراف بوجود شعب محتج له مطالبه المشروعة".