انتشرت في الفترة الأخيرة "ثقافة" جديدة، هي ثقافة "حرق الدواليب" أو الأطر المطاطية، وقطع الطرق واللجوء الى الشارع لتحقيق المطالب بالقوة. وعلى الرغم من أن بعض المطالب محقّة، فإن المنطق الجديد لا يمتّ الى ثقافة ومستوى اللبنانيين بصلة، وباتت الدولة ترضخ غالباً للمطالب تحت ضغط "الغيوم السود" التي تشكلها الأطر المشتعلة، التي تعطي نتيجة أفعل من آلاف المتظاهرين الذين يملأون الشوارع للمطالبة بحقوقهم.
على الرغم من أن الاحتقان السياسي والطائفي في أعلى مستوياته، ووسط ما يعانيه المواطنون من ضيقة معيشيةّ وكثرة مطالب، فإن كل الدراسات السيكو – اجتماعية تشير الى أن الحالة المرضية تبدأ مع المواطن بشكل بسيط، ثم تتطوّر لتصل الى عادة ومنها الى شذوذ، وإدمان اللبنانيين على قطع الطرق قدّ يحوّلهم الى قطّاع طرق محترفين يمارسون عادتهم وشذوذهم الدخاني الناري من دون أي رادع أو وازع.
يشعر اللبنانيون بالعدوى من بعضهم البعض، وما إن تحصل ظاهرة في منطقة محددة من لبنان، حتى يصبح كل لبنان مصبوغاً بهذه الظاهرة. فعندما سقطت بناية فسّوح في الأشرفية، قاموا بتصوير كل بنايات لبنان على أنها ستقع، ثم أتت مشكلة الغذاء الفاسد، فأصبح كل لبنان فاسد الغذاء، وكأن مطاعمنا ومطابخنا برادات فاسدة، ولا أحد ينسى موسم الحرائق الذي يشتعل في منطقة ليمتد الى كل المساحات الخضراء.
عندما بدأت ظاهرة "حرق الدواليب"، ملأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي جداول تعطي كل طائفة يوماً واحداً في الأسبوع يُسمح لها فيه بحرق الأطر المطاطية، في البداية ظهرت كأنها للاستهزاء، لكن الذي حصل أثبت عكس ذلك، وبعد أن استنفر الشارع السني إثر قتل الشيخين عبد الواحد ومرعب على حاجز الجيش، قام الشارع الشيعي بحرق الدواليب نهار الثلاثاء احتجاجاً على خطف الحجاج في سوريا، ليقوم بعدها الشارع المسيحي بحرق "الدواليب" وقطع طريق سن الفيل مساء الأربعاء احتجاجاً على مقتل الشاب إيلي نعمان في البوشرية.
كل هذه الإشكاليات يجيب عنها الدكتور في علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية وليد الأيوبي، ويقول في حديث الى "المستقبل"، إن "الأزمة بسبب غياب الثقة بين السلطة السياسية والمجتمع المدني نتيجة تراكمات وواقع مزرٍ، حيث عجزت السلطة العامة عن إدارة شؤون المواطنين، وعندما يكون أداء السلطة دون المستوى المطلوب، يلجأ المواطن الى إحراق الدواليب ليأخذ حقه بيده، فالسلطة حالياً في لبنان مرتبكة، وفاقدة البوصلة".
ويُعيد الأيوبي ضعف الدولة إلى "النظام الطائفي والجدلية القائمة بين السلطة العامة ومنطق الدويلات التي تغرّد خارج سرب الدولة، مما يؤدي الى استقواء الناس عليها مُدعّمين بطوائفهم فينزلون الى الشارع ويستسهلون قطع الطرق، من دون استبعاد العامل الخارجي في الصراع الداخلي، وأكبر دليل هو الحوادث التي حصلت بين جبل محسن وباب التبانة، والتي لها امتدادات خارجية ومصالح دول تتحكم باللعبة".
والنتيجة أن الدولة ضعيفة اليوم وهناك مطالب محقة للمواطنين، لكن الأيوبي يرى أن "الخطر يأتي من الاحتجاجات المبرمجة سياسياً لافتعال أزمات وخلق حروب متنقلة وفتن، في وقت يسجل غياب مرجعية الدولة، بسبب قضمها من قبل السلطة السياسية، حيث تزاوجت السلطة السياسية مع سلطة الدولة ومؤسساتها".
هذه الموضة الجديدة المتمثلة بقطع الطرق وحرق الأطر المطاطية، بدأت في العصر الحديث بعد الحرب في حي السّلم الذي دفع ضريبة كبيرة وسقط فيه عدد كبير من القتلى ومعه أُسقطت حكومة الرئيس عمر كرامي، وتكررت الأحداث والمواجهات الميدانية في حي السّلم في العام 2004 حيث سقط عدد من الضحايا، وبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قام اللبنانيون بانتفاضة الاستقلال ولم يسجّل ضربة كف واحدة.
لكن بعد حرب تموز، لجأ فريق 8 آذار الى إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، عبر التظاهرات وقطع الطرق وحرق الدواليب، وكادت البلاد أن تنزلق مرات عدة وراء الحرب الأهلية، ما كرّس شكلاً جديداً من أشكال التعبير عن الرأي وإن كان أثبت فاعليته في تحقيق المطالب على المدى القصير، غير أنه قد يجرّ البلاد الى حرب أهلية تكون بدايتها دولاباً محروقاً لتنتهي بحرق البلد.