عندما بحّ صوتنا وكادت الدماء تجف في عروقنا ونادينا بكل قوانا مع غالبية اللبنانيين المتشبثين حتى الرمق الأخير بالوطن الصغير رحمة بشعبه وبأولادنا ومستقبلهم، مشخصين لبنان على أنه من دون أي مبالغة أشبه ببرميل هائل من البارود جاهز معدّ للانفجار، كنا يومها من الذين يدركون جيداً، الى أي هوة سحيقة قاتلة ينزلق لبنان بالرغم عنه. ذلك أن جميع المعطيات والمؤشرات الظاهرة منها والخفية، المعلنة منها والمكتومة كانت كلها تشير الى الاتجاه نفسه الذي يحذرنا من دون توقف من شر مستطير يحوم فوق هذا الوطن المعذب.
فلينظر اللبنانيون ويشاهدوا بأم العين وبالملموس ويضعوا أصابعهم في الجرح البليغ النازف الذي قادت البلاد إليه الحكومة المنهارة المنهوكة، المصطنعة، الفاسدة، الغائبة عن الوعي، المصابة بعمى البصر والبصيرة، الحكومة التي نصّبها على رقابهم النظام السوري الذي أوكل أمر توزيع حقائبها الى حزب الله وحلفائه الميامين: الفساد والاهتراء والسقوط الشنيع الى الدرك الأسفل يعم البلاد من أقصاها الى أقصاها، فلا كهرباء ولا ماء، ولا أمن ولا استقرار. فالمؤسسات الرسمية أضحت كلها بيد حزب واحد هو الحاكم الفعلي للبنان. فهل انطلت على اللبنانيين مسرحية الانقلاب على الأكثرية لإحكام حزب السلاح بقوة السلاح والتهديد اليومي والابتزاز والإذلال، قبضته على كل مرافق الدولة؟ ولنتذكر جيداً السيناريو الموقع المدروس الذي رافق القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة الدولية بشأن جريمة العصر (اغتيال الرئيس رفيق الحريري) وكيف توارى المتهمون الأربعة في شعاب الضاحية ومربعاتها الأمنية حيث لا تصل اليهم لا العدالة ولا القانون. فإذا كانت حكومة العجز والاهتراء غير قادرة على إدارة البلاد فلتتنحى ولتتسلم السلطة حكومة موثوقة من التكنوقراط تشرف على الانتخابات.
ها قد جرى عندنا ولأول مرة في تاريخنا ما لم يحدث من قبل: أن يضطر رئيس الحكومة سعد الحريري، حفاظاً على أمنه الشخصي وعلى سلامة فريق عمله، الى البقاء خارج البلاد. فأي تحدٍ ولا أخطر لكرامة اللبنانيين من هذا الذي شهدناه. ألم يكفهم ويشبع حقدهم زلزال شباط سنة 2005 ودماء رفيق الحريري التي خضّبت تراب بيروت، وتلك السلسلة المخبئة من خيرة رجال بل رجالات لبنان من قادة الفكر والرأي والعلم والإرادة الشعبية الذين جرى اغتيالهم علناً وفي وضح النهار، بل دماء أولئك اللبنانيين البسطاء الأبرياء الذين مزقتهم العبوات الناسفة والسيارات المفخخة ابتداء ببتغرين وانتهاء بسن الفيل؟ لماذا اغتيل وسام عيد وفرانسوا الحاج، ومن هم القتلة وأي أصابع جهنمية امتدت لمروان حماده ومي الشدياق؟.
إن أخطر ما جرى في حرب تموز 2006 ليس الدمار والخراب والنزوح القسري لأهلنا في الجنوب والبقاع فحسب، بل ما أعقبها من احتلال واغتصاب لوسط بيروت عندما واجهنا القوى الظلامية بكل تلاوينها، ولم تلن لنا قناة ولم نخضع للابتزاز. إلا أن هذه القوى نفسها أعادت الكرّة في 7 أيار 2008 في بيروت والجبل وصيدا فكادت الكرة النارية للحرب الأهلية أن تحرق الوطن الصغير من أقصاه الى أقصاه، وما زالت تتنقل من منطقة الى أخرى.
والآن نحن نواجه فصلاً جديداً موقعاً مدروساً متقن الإعداد نسجت خيوطه الغرف السوداء ويرتسم في الحال سؤال خطير باعث لقشعريرة الخوف على المصير: الى أين يريدون الذهاب بلبنان؟ لماذا طرابلس وعكار بالذات؟ لماذا جرت تصفية الشيخين الشابين بهذه البربرية الموصوفة؟ ماذا يريد أي شاكر برجاوي مزعوم من بيروت؟ ماذا يريد أحمد جبريل من لبنان ولماذا استعادة وإثارة مفردات لطالما روّج لها نظام دمشق من خلال الحديث عن العرفاتيين على أرض لبنان؟ لماذا التركيز على مخيم عين الحلوة لتحويله الى صاعق يلحق صيدا بما يجري في بيروت والشمال؟ لمصلحة من إحداث شرخ بين اللبنانيين والمؤسسة العسكرية؟ هل بإمكان لبنان جدياً أن يصبح معزولاً ومنبوذاً في محيطه العربي لتزدهر سياسة الامتثال لإرادة حكام دمشق ونتغنى بمآثر موقف النأي بالنفس السيئة الذكر التي جعلت منا أضحوكة العرب وسخريتهم اللاذعة؟.
لقد طفح الكيل وأفلت حبل الأمن من يد السلطة وخرج الوضع اللبناني من تحت السيطرة فالحكومة استقالت عملياً ولم يعد لها بقية من ماء الوجه، فالباب مشرّع ويا للأسى أمام أسوأ الاحتمالات!.