#adsense

عن خفض «تخصيب» النفوذ الإقليمي

حجم الخط

مع إضفاء أجواء إيجابية ما لبثت أن تراجعت، على المفاوضات التي أجريت خلال اليومين الماضيين في بغداد بين إيران ومجموعة 5+1، بدا أن الأمر يدور على اقتراح الغرب على طهران أن تخفض مستوى تخصيب اليورانيوم من 20 في المئة الى 5.3 في المئة. وهو ما اعتبره الجانب الإيراني انتصاراً له، وتراجعاً من الدول الغربية عن شرط وقف التخصيب تمهيداً لإجراءات الرقابة الدولية على أي نوع من أنواع التخصيب، في موازاة فكرة إتمام الجزء الأكبر منه خارج إيران، وفي روسيا مثلاً، لضمان الرقابة الدولية على البرنامج النووي وسلميته.

وما يدفع طهران الى اعتبار الاقتراح انتصاراً لها، لأنه تسليم بحقها في التخصيب من ناحية المبدأ، أن ما حققته حق مكتسب لن تتخلى عنه. فرفع درجة التخصيب في السنتين الماضيتين، أثناء جمود المفاوضات بينها وبين دول الغرب وعدم تقدمها والذي استطاعت استغلاله بجدارة، بات منطلقاً للتفاوض، بدلاً من التراجع عن هذا التخصيب.

لكن المفاوضات، إذا كانت تنطلق مما حققته طهران كحق مكتسب بحكم الأمر الواقع، ستدفع دول الغرب بدورها الى انطلاق التفاوض من أمر واقع آخر هو العقوبات الاقتصادية والنفطية والمالية التي فرضتها الدول الغربية. ويصبح مطلب طهران إلغاء العقوبات كشرط لاستمرار التفاوض غير قابل للتحقيق إلا إذا جاء الرفع الجزئي لهذه العقوبات مع استجابة محددة من طهران في شأن مطلب الغرب خفض مستوى التخصيب.

لكن خيار تشديد العقوبات جاء بديلاً من خيار الحرب عند إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، لإيجاد واقع جديد في ميزان القوى مع إيران، نظراً الى كلفة الحرب الباهظة ورفض المجتمع الأميركي لها بالكامل في وقت لم يشفَ بعد من ذيول حربَي العراق وأفغانستان. ولعل خيار المواجهة السلمية للغرب مع طهران أخذ يعزز إحدى النظريات في واشنطن بأن الحصار الاقتصادي سيكون أكثر فعالية حتى لو اكتسبت إيران التقنية النووية العسكرية، لأنها ستضطر نظامها الى إنفاق المزيد من المال على حماية هذا الإنجاز من الناحية العسكرية، ولأن هذا الإنجاز يبقى بلا فعالية إذا لم يرافقه تطوير للصواريخ وللدفاع الجوي والأرضي، مع ما يتطلبه ذلك من تكاليف باهظة سترمي بثقلها على الاقتصاد الإيراني، يضاف الى تأثير العقوبات، وصولاً الى احتمال انهياره وانهيار المعادلة السياسية الحاكمة حالياً في طهران معه.

صحت هذه النظرية أم لم تصح، فإن استجابة الغرب لمطلب خفض العقوبات في إطار إجراءات بناء الثقة يفترض واحداً من أمرين: إما أن الاتفاق بات ممكناً فعلاً في شكل يثلج صدور الإيرانيين الذين أخذوا يعانون أكثر فأكثر من تأثير العقوبات على معيشتهم اليومية، أو أن هذا سيعيد الغرب الى خيار الحرب إذا فشلت العروض الغربية في تليين الموقف الإيراني، بالاستناد الى العقوبات.

وفي الانتظار، وعلى افتراض أن محادثات بغداد يمكن أن تُستأنف لاحقاً للحؤول دون إعلان الفشل، فإنه يصعب استمرارها في المنحى الإيجابي إذا لم تتناول خفضاً للتخصيب في مجال آخر، هو «تخصيب» إيران لتمددها الإقليمي الذي رفعت وتيرته في الأشهر القليلة الماضية، بدءاً من زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد جزيرة أبو موسى والتصعيد حيال دول الخليج العربي والبحرين وإمكان اتحادها مع السعودية، والعودة الى التدخل بقوة في اليمن، والإصرار على الإمساك بالسلطة في لبنان والعراق مهما كلف الأمر، وصولاً الى القيام بكل ما يلزم لإطالة عمر النظام السوري. وعليه فإن هذا النوع من «تخصيب» النفوذ الإقليمي لإيران لا بد من أن يكون على طاولة المفاوضات بينها وبين الدول الست الكبرى.

قبل 3 أيام قال مستشار المرشد إن «لدى إيران نفوذاً في العراق وسورية ولبنان وفلسطين وأفغانستان وفي العالم الإسلامي… ولا يمكن اتخاذ أي ترتيبات اقتصادية وسياسية وأمنية من دونها وعلى كل من يريد استيراد الطاقة من المنطقة الاتفاق مع إيران».

هل أن «تخصيب» هذا النفوذ في الأشهر الأخيرة هدفه الاحتفاظ بدرجة ارتفاعه، مقابل خفض نسبته في اليورانيوم، أم انه يرمي الى التفاوض على درجة خفض النفوذ الإقليمي بموازاة خفض تخصيب اليورانيوم؟

حتى لو استؤنفت مفاوضات بغداد لاحقاً فإنها تحتاج الى وقت ليس بقصير كي تتكرّس أي إيجابية ممكنة تنتج عنها على صعيد الواقع الإقليمي. وإلى أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فإن المناورات التي ترافق التفاوض ستبقي الاستقرار في عدد من الدول معلقاً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل