ليست حادثة كاراكاس مجرّد «حادث عاطفي» أسفر عنه صباح أمس، وليس حديث القاعدة الذي أسفر عنه المساء مجرد حديث عابر أيضاً، ثمّة جوقة كاملة إعلامياً وسياسياً تتقاذف كرة القاعدة لتؤكّد وجودها في لبنان، فالعقل الأمني الذي اخترع مجموعة الـ 13 ونسّق لها خطة اتهامها باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي روّج لها سيناريو إعلامياً تبته محطات بعينها، والذي أشعل فتيل طرابلس ثمّ عكار ثمّ طريق الجديدة ثمّ خطف الزوار الشيعة في حلب ثمّ توتر الأوضاع في الجامعة اليسوعية وتوّج ليل العاصمة بإطلاق نار بدأ مع خبرٍ غريب عن تعامل الجيش بحذر شديد مع «سكران» يطلق النار في حادث فردي حتى لا يصيبه بأذى ـ في مفارقة عجيبة في التعامل قرب بحذر مع سكير لمجرد تواجده قرب مركز الحزب القومي السوري، والتعامل بمنتهى الوحشية مع الشيخ أحمد عبد الواحد عند حاجز الكويخات ـ والمفارقة أن يمتد إطلاق النار حتى الصباح، وأن يتمّ العثور على كمّ من الذخائر والأسلحة يقتضي أن نطرح سؤالاً عن كيفيّة وصولها إلى شقة على بعد «رشقة حجر» من عيون الجيش اللبناني!!
من دون شك هناك من يسعى لتوريط الجيش واستنزاف قواه في مناطق لبنانيّة بعينها، والذين يتولّون اليوم التضامن معه هم أنفسهم الذين نهشوا ضباطه وجنوده في حادث مار مخايل الشهير وطالبوا بمحاكمة الضباط وتولّت صحفهم الترويج لمؤامرة طويلة عريضة عن الجيش الذي يرتكب المجازر بحقّ طائفة معينة وخرج «وكيلها الشرعي» ليقول:»لن نقبل أن نموت بعد اليوم برصاص الجيش»!!
نعم ؛ ثمّة من لا يسمح للجيش اللبناني بالتواجد حيث بؤر المخدرات والخروج عن القانون، ويريد أن يورطّه ويستهلك قواه طوال عشر ساعات لتسفر المعركة في النهاية عن هاني الشنطي أحد موقوفي مجموعة الـ 13، أليس في كلّ هذا التزامن «المخابراتي السوري» بامتياز ما يفتح العيون وبشدّة على السيناريو الذي يتكرّر من منطقة إلى أخرى وبتوقيع سوري مميّز!!
إنها «ساعة الحقيقة» كما أكد بيان 14 آذار بالأمس، ودقيق جداً ما وصّفه البيان بأن النظام السوري «يحاول تجربته في منتصف السبعينات حين أشعل الحرب اللبنانية التي مهدت لدخول جيشه إلى لبنان، ثم مقايضة مشاركته في حرب الخليج الثانية بوصايته على البلد، عبر خطوات مبرمجة ومدروسة لتصوير لبنان بأنه بيئة حاضنة للإرهاب وهي محاولة جديدة ومكشوفة انتهت صلاحيتها، إنما هذه المرة تحت عنوان التصدي للإرهاب»، ودقيق جداً ما أعلنه بيان 14 آذار عن أنها «لن نسمح بانزلاق لبنان في حرب اهلية، لقد أدركنا بعد حرب كادت أن تقضي علينا جميعاً أن اللجوء إلى السلاح، مهما تعددت مبرراته، لا يؤدي إلا إلى خرابٍ عميم: تدمير الآخر وتدمير الذات، بعد تدمير الوطن بأيدي أبنائه»، ولكن ما هي الكيفية وخطة العمل الجدية التي تمنع هذا الانزلاق؟
الحديث عن «السلاح كلّ السلاح» فشلت حتى طاولة الحوار في إيجاد حلّ له، بل أكثر من ذلك كيف تواجه 14 آذار دويلة أقوى من الدولة نفسها؟!
الحكومة متواطئة!! نعم بل هي أكثر من ذلك، هي حكومة انقلاب نفّذه النظام السوري ليستعيد سيطرته على لبنان، ولكن هل إسقاط هذه الحكومة سيقطع اليد المخابراتية العابثة بمصير لبنان واللبنانيين؟! وماذا عن الحكومات التي سبقتها؟ ألم يحاصر الرئيس فؤاد السنيورة في السراي منذ العام 2006، ألم تعطّل حكومة سعد الحريري؟!
بيان 14 آذار صادق في كلّ شيء، إلا في أن كلّ اللبنانيين سيواجهون المخطط القديم ـ الجديد للنظام السوري، الحقيقة والصدق يفرضان علينا القول: ثمة فريق في لبنان موجود ويمارس سلوكه السياسي كلّه انطلاقاً من مصلحة النظام السوري، إنه تاريخ يعيد نفسه منذ انقلاب 6 شباط 1984، والانقلاب على الدولة اللبنانية مستمر منذ 22 عاماً وبنجاح كبير، بالقاعدة ومن دونها، الأمر سيّان!