كتب غ.ح. في صحيفة "النهار":
ماتت جيلار أمس. ربما كان يجب أن تموت قبل هذا التاريخ، فالحياة لا تستأهل كل هذا العذاب، والتمسك بها، وخصوصا بعدما "تخلى" الله عن الفتاة باكرا جدا. كانت مؤمنة، وممارسة الى حد بعيد. هي حال الفقراء والمتألمين دائما، لا يجدون سوى الله ملجأ لهم. تحملت اوجاعا لا تكابد، جسدية ونفسية. أمس غادرتنا الى الجنة. نعم الى الجنة. لأنه اذا لم تكن الجنة مثواها، فذلك يعني ان لا جنة، او ان الله غير عادل على الارض، وفي ما بعد الحياة الدنيا.
هي ممن يتحدثون عنهم في الافلام "مقطوعة من شجرة". الوصف ينطبق عليها تماما. كثيرون ضاق بهم الزمن وهجرهم اولادهم واخوانهم، لكن احدا لم يهجر جيلار، لأن لا أهل لا أقارب لها.
ذهب "والدها"، الشاب العكاري المسلم، في رحلة الى تركيا، تعرّف الى شابة مسيحية سريانية، قررا الزواج، فهربت معه الى لبنان. تبرأ أهلها منها، ورفضها اهله. لم يعد الى قريته، بل اقام في عاصمة الشمال حينا.
ترك الزوج منزله وهجر زوجته عائدا الى ذويه. كانت المرأة حاملا، وتبين لها ان زواجها لم يسجل في الدوائر الرسمية. اذاً هي حملت سفاحا، والمولود سيكون لقيطا، بموجب القانون اللبناني. لا أهل. لا أقارب. لجأت الوالدة إلى عجوزين عملت في خدمتهما، وأقامت والمولودة الجديدة معهما، وقبلا بأن يسهلا امور الفتاة، ولا اعلم كيف، لتحصل على بطاقة هوية لبنانية، حملت اسم عائلة والدتها، وطائفتها.
مرضت الوالدة، وادركها الموت، فعاشت الصغيرة، التي عانت منذ الولادة تفككا في الحوض، مع العجوزين الى ان توفيا خلال الحرب اللبنانية. هجر من تبقى من المسيحيين ذاك الحي الطرابلسي، ومعهم جيلار.
إلى أين تذهب؟ لا أهل ولا أقارب. بل فقر مدقع، وآلام تحتاج الى جراحة. حملتها صديقة الى بيروت، ووفرت لها عملا في سنترال اذاعة "صوت الشعب". نامت في اروقة المحطة اياما، قبل ان تنتقل الى منزل مهجور في منطقة رأس النبع. الايجار هناك "مقبول" لأن المنطقة على خط التماس ولا طلب عليها.
بعد مدة عجزت خلالها عن بلوغ منزلها، انتقلت الى شارع الحمراء لتقطن في غرفة على سطح احدى البنايات. وحيدة، بعض الواح الاترنيت تحميها من الشمس والمطر. كانت، في الليالي العاصفة، لا تنام. تقول: "كنت اشعر بأن الواح الاترنيت ستطير مع العاصفة، او ستنزل علي في فراشي. كنت اشعر بالخوف، واستعد للأسوأ. اذا مت لن يشعر بالامر احد قبل ايام. لا اريد ان اموت بهذه الطريقة".
بعد مدة ساعدها الزميل سركيس ابو زيد على الانتقال الى قناة "الجديد". عملت في قسم الرصد، ثم انتقلت الى التحرير. تدربت، وساهمت في انتاج نشرة الاخبار وبعض البرامج. لكنها كانت كل سنة تحتاج الى شهر اجازة. هذا حق لها. كانت تمضي ايام "العطلة" في المستشفى. تحتاج كل سنة الى جراحة في الورك الذي صار يزداد تفككا وتفتتا.
كانت تجمع فتات المال حتى لا تطلب مساعدة احد. بل على العكس، خبأت قرشها الابيض ليومها الاسود. هكذا كانت تردد. امتنعت عن حضور اعراس الزملاء والاصدقاء في المحطة لتوفير ثمن شراء ثياب جديدة. لكنها كانت سباقة في ايفاء ما يتوجب في لائحة العرس. لا تريد ان تشعر بدونية الفقر "ايديولوجيا التعتير" على حد وصف زياد الرحباني.
عندما كان الالم ينهكها، كانت تقصد صديقتها "سوسة" كما تناديها. هذه المسلمة القديسة التي، الى جانب عائلتها الكبيرة، ووضعها الصحي، حضنتها مع زوجها، وفتحت لها منزلها. اصدّق هنا وفي بعض المحطات ان "أبانا السماوي لا يتركنا".
كانت تشعر بالفرح مرة في الشهر، كلما زارت القديس شربل، هناك في المحبسة ترتاح. تقصد المقام نهار السبت لترتاح من عناء المشوار صباح الاحد. كانت تصطحب اولاد "سوسة"، او احدى الزميلات في المحطة.
في العامين الاخيرين، شعرت بان الله تخلى عنها. اصابها داء السرطان في عمودها الفقري، ضربها الشلل في قدميها، وصار يتمدد. بلغ العنق، صارت لا تقوى على الكلام، لا تأكل الا السوائل، ولا تغادر الفراش. حتى الهاتف لم تعد تستطيع الامساك به.
تجنبتُ زيارتها. لم يكن ممكنا ان اراها في هذه الحال. كانت تقول لي عبر الهاتف "صلي من أجلي". وكنت اصلي لتسريع أجلها، كنت اطمئن بطريقة غير مباشرة، من مالك الشريف الذي لم يتركها يوما، ومن اصدقاء كانوا يزورونها، منهم مريم البسام وسمر ابو خليل ولبيب حلاق، وآخرون لا مجال لذكرهم جميعا. انقطعتُ عن زيارتها.
في ايامها الاخيرة لم تعد تقوى على التحمل. ازعجت الراهبات في دير السيدة في انطلياس، وكذلك الاطباء في مستشفى بيروت الحكومي، وبعض الزملاء. صارت لا تطيق الحياة، صارت تشتهي الموت، وتنتظر ساعتها. لا اعلم لماذا يرفضون الموت الرحيم في مثل هذه الحالات؟
في الساعات الاخيرة، عندما عجزت عن الامساك بالهاتف، صار يرن ويرن فيرد تلقائيا ويسمعنا اغنية فيروز "دخيلك يا امي مدري شو بني… اتركني بهمي زهقانة الدني". هو الشعور الدفين بالحاجة الى حضن الام مهما كبرنا، ومهما طال البعاد.
امس حمل زملاء في المحطة نعش جيلار الى كنيسة سيدة البشارة للسريان. صلوا لاجلها، كل على طريقته، لأن اكثرهم غير مسيحيين، مسلمين وعلمانيين. احتاروا من يعزون، فالمعزّى بها واهل العزاء في التابوت. عزوا بعضهم بعضا، وهم نحو عشرين.
رفضت كرمى خياط ان تقفل الستارة وينتهي المشهد هنا. مأساة انسانية، نعم. ولكن ثمة كرامة بشرية وذكرى وحنين وزمالة وصداقة. قررت ان تقيم لها عزاء غدا السبت، لا في المحطة، بل في الكنيسة حيث صلي عليها. وكرمى الانسانة لم تتخل عن جيلار يوما، بل تكفلت، مع ادارة المحطة، كل نفقات علاجها ووداعها الاخير، بصمت، ظنا منها ان احدا لا يعرف هوية فاعل الخير.
غدا تقفل الستارة على معاناة انسانية عاشت في الظل، ورحلت بهدوء الى حيث يأمل الناس ان تكون حياة افضل، لا وجع فيها ولا حزن ولا تنهد، بل لا فناء.