#adsense

“المستقبل “: لماذا يحتاج لبنان الى حكومة إنقاذ وطني؟

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في "المستقبل":

لا يكفي لبنان، العضو في الأمم المتحدة، أن يدلي رئيسه ورئيس حكومته بتصريحين ينفيان فيهما ما أورده السفير السوري في المنظمة الدولية بشار الجعفري، في رسالة بعث بها الى المنظمة وطلب توزيعها على الدول الأعضاء، عن "تحول لبنان الى بؤرة للإرهاب، وملاذ للقاعدة"، فضلاً عن اتهامه فيها بلدين عربيين (السعودية وقطر) باستخدام شواطئه وموانئه وحدوده البرية لتهريب الأسلحة الى داخل الأراضي السورية.

على لبنان، قبل ذلك ومن دون أي شك بعده، منع أي عضو من أعضاء حكومته من تكرار الحديث عما يقول إنها "معلومات" لديه تفيد بوجود تنظيم "القاعدة" في لبنان، أو أقله عقد مصالحة بينه وبين وزير آخر في الحكومة نفسها ينفي بشكل مطلق ذلك ويؤكد أن لديه معلومات مناقضة تماماً.

والأهم من ذلك، على لبنان أن "يقنع" وزير خارجيته (المسؤول الأول عن العلاقة مع المنظمة الدولية للأمم المتحدة) بأنه يتوجب عليه تكليف مندوب لبنان في الأمم المتحدة توجيه رسالة رسمية الى الأمم المتحدة، توزع بدورها على الدول الأعضاء، يرد فيها على رسالة السفير السوري ويدحض ما ورد فيها بالوثائق والأرقام. لماذا؟، لأن للرسالة الرسمية الموزعة على الدول الأعضاء مفهوماً في الديبلوماسية الدولية، وفي الأمم المتحدة بالذات، تتقرر بموجبه مواقف وسياسات لا تختلف في شيء عن تصنيفات المؤسسات المالية والاستثمارية للدول وفقاً للأوضاع السياسية والأمنية فيها.

وإذا كان صحيحاً أن للدول في العالم، وخصوصاً منها الكبرى وذات النفوذ والتأثير، مصادرها الخاصة التي تستقي منها معلوماتها المؤكدة، فالصحيح أيضاً أن دولاً أخرى هي الغالبية العظمى في الأمم المتحدة لا تملك هذه المصادر. والأهم أن تقاعس لبنان حتى الآن عن الرد على رسالة السفير السوري، وفي المنظمة الدولية تحديداً، قد يفسره بعض الدول على أنه قبول لبناني بمضمونها، بغض النظر عما إذا كان تصريح من هنا أو هناك قد رد عليها أو تبرّأ من محتواها.

… ولا يكفي لبنان كذلك، وهو عضو في جامعة الدول العربية، أن يردد رئيس حكومته، بمناسبة ومن دون مناسبة، أنه يعتمد سياسة "النأي بالنفس" عما يحدث في سوريا منذ أكثر من أربعة عشر شهراً، وعن أنه لا يقدم أي مساعدة لا للنظام ولا للثوار (ولا حتى للنازحين الذين فروا من بيوتهم هرباً من الموت المحقق) ما دام وزير خارجيته لا يفعل إلا كل ما يصب في مصلحة هذا النظام… ليس في جلسات الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة فقط، بل أيضاً من خلال نقل رسائل التهديد والوعيد السورية الى مؤسسات الدولة اللبنانية، بما فيها مجلس الوزراء.

وفي السياق نفسه، فإن دولاً عربية مثل الجزائر والسودان واليمن والعراق ـ حتى العراق؟! ـ تحفظت في البداية عن فرض إجراءات قاسية ضد النظام السوري، لكنها جميعها تراجعت عن مواقفها بعد أن وصلت الحال السورية الى ما وصلت اليه من حرب إبادة في الداخل وعزلة عربية ودولية شبه كاملة في الخارج، بينما بقي لبنان وحيداً في الزاوية الضيقة نفسها، فلم يتحرك موقفه "المبدئي" السابق قيد أنملة عن دعمه هنا وهناك وهنالك لهذا النظام… بما في ذلك في قمة بغداد الأخيرة التي لم يدع لها رأس النظام التزاماً بقرار مجلس الجامعة تعليق عضويته فيها، الذي عارضه وزير خارجية لبنان في حينه.

لم تعد هذه السياسة، سياسة "النأي بالنفس" عن النفس، تقوى على الحياة في أي مجال داخلي أو خارجي، حتى لا نقول إنساني أيضاً. مع ذلك، تصر الحكومة اللبنانية على التمسك بها، بل تذهب الى حد استغلال كلمة وردت في "رسالة تحذير" بعث بها الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز الى الرئيس ميشال سليمان من أجل أن تقول إن دعوة الملك السعودي لبنان لـ"النأي بنفسه" عن المخاطر الجمة التي تهدده وتضع ما بقي من وحدته الوطنية على المحك هي الدليل على نجاح هذه السياسة في المرحلة السابقة.

… ولا يكفي لبنان، وهو مقبل على موسم سياحة واصطياف ينتظره كل سنة، أن يتوسل "الدول الشقيقة" من جهة و"الصديقة" من جهة ثانية عدم نصح مواطنيها بعدم السفر الى لبنان أو مغادرته في ظل الظروف الأمنية الدقيقة فيه، بل عليه أولاً وقبل ذلك معالجة هذه الظروف والحيلولة دونها، أو أقله دون تفاقمها، إن لم يكن الكشف بالأسماء والوقائع عمن يقف وراءها، سواء من الداخل أو الخارج، واستخدام ما يلزم من القوة والقانون ضده.

أم أن حكومة لبنان بلغت من السذاجة حد الظن بأن تبادر الكويت وقطر والبحرين ودولة الإمارات، وربما غيرها في وقت لاحق، الى حث مواطنيها على السفر الى لبنان وقضاء الصيف فيه، بينما لا يمر يوم من دون جريمة سياسية أو عادية على امتداد مناطقه من بيروت الى الشمال والجبل والبقاع والجنوب، فضلاً عن عمليات الخطف وقطع الطرق وإحراق الدواليب على أبواب المطار؟. أم أنها تظن أن "الدالة" التي يحظى بها لبنان من الدول الشقيقة (هل له أشقاء غير سوريا؟!) وحديثها، والقوى السياسية التي تدعمها وتمنع سقوطها، عما تسميه "الاستقرار" في البلاد، كفيلان بأن يقنعا الدول المشار اليها بتشجيع مواطنيها على السفر الى الجحيم؟.

ما سبق غيض من فيض مما لم يعد يكفي لبنان لإخراجه من عين العاصفة التي تحيق به من كل صوب. لأن ما يحتاجه هذا البلد أولاً وقبل أي شيء هو الكف عن دفن رأسه في الرمال وادعاء أنه لا يرى النذائر العديدة التي أعلنت عن نفسها هنا وهناك في الأيام الماضية، إلا إذا كان في ذهن حكومته، والقوى الفاعلة فيها، جر البلد الى حروب وفتن لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا متى تنتهي.

وبتحديد أكثر، ما يحتاجه لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من حياته، وبالحاح وسرعة لا ينفع معهما مبرر أو تسويف، هو حكومة انقاذ وطني تقيه ارتدادات "الزلزال" الذي طالما تحدث النظام السوري عنه، في عموم المنطقة وفي لبنان بالذات، أو تنتشله على الأقل مما هو فيه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل