أقامت جامعة الروح القدس – الكسليك احتفالا بمناسبة عيد شفيعها عشية عيد العنصرة، بدعوة من رئيسها الأب هادي محفوظ، استهل بقداس ترأسه الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، عاونه فيه مدبرو الرهبانية والرهبان، في حضور النواب إدغار معلوف، إيلي كيروز، فؤاد السعد ووليد خوري، رئيس الجامعة اللبنانية الوزير عدنان السيد حسين، الوزير السابق يوسف سلامة، النائبان السابقان منصور البون وشامل موزايا، سفير فرنسا باتريس باولي، سفير المجر لاسزلو فارادي، الرئيس العام لجمعية الآباء البولسيين الأب الياس آغيا، رئيس بلدية جونيه أنطوان افرام، رجل الأعمال وديع العبسي، بالإضافة إلى أسرة الجامعة وحشد من الفعاليات الدينية والعسكرية والبلدية والاختيارية والإعلامية والتربوية. وقد خدمت القداس جوقة الجامعة بقيادة الأب يوسف طنوس.
وبعد الإنجيل المقدس، ألقى الأباتي نعمة عظة تحدث فيها عن تميّز عيد العنصرة بين الأعياد السيّدية التي تحتفل بها الكنيسة، منوّها بأهميته "لأنه العيد الذي يتحقق فيه ما سبق وأعلنه يسوع بالذات أنه الهدف من كل رسالته على الأرض". وبعدما شرح معاني العنصرة توجّه بالتهاني لعائلة الجامعة متمنيا أن يكون هذا العيد دفعا ليتمسكوا بما يقوله الروح لهم. واختتم كلمته مؤكدا أننا "نصلي اليوم لصاحب الغبطة مار بشارة بطرس الراعي ولفخامة الرئيس العماد ميشال سليمان ليؤيدهما الله بقوة الروح فيقود غبطته الكنيسة، ويقود فخامته الوطن بروح الحكمة والشجاعة لنبلغ إلى ميناء السلام ونشهد للسلام ونحمل البشارة الجديدة إلى عالمنا بالرغم من التحديات متّكلين على دفع ودعم الروح القدس محيينا".

وبعد عرض وثائقي عن الجامعة أضاء على تاريخها وعراقتها وتميّزها ونشاطاتها المتواصلة، ألقى رئيسها الأب هادي محفوط خطابا حمل عنوان: "على هَدي الروح القدس"، طارحا في مستهله السؤال التالي: "على خطى من نحن سائرون؟ أي من تبعنا نحن حتى الآن؟ ومن نريد أن نتبع؟". وقد بيّن خلاله كيف جامعة الروح القدس تندرج، أكثر فأكثر، في الشبكة الجامعيّة العالميّة، وإنّ فكرها يجول في جميع أنحاء العولمة وإنّ حالتها هي في ترقب متيقظ لأحوال العالم الجامعي العالميّ. كما جدد التأكيد "أننا كاثوليكيّو الهويّة، نريد نموّ الإنسان، كلّ إنسان بدون أيّ تمييز، وكلّ الإنسان، في كلّ أبعاده. نحن أولاد تلك الأمّ المحبّة التي هي الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة التي نريد تتميم رسالتها. نعالج جميع أمورنا بنظرة واقعيّة وإيجابيّة ومستقبليّة مؤمنة. إنّها جميعها عطايا من الروح لنا". ثم جاء الجواب على السؤال المطروح: إنّ جامعة الروح القدس – الكسليك تسير، مطمئنّة …. "على هدي الروح القدس".
وقد اعتبر الأب محفوظ في كلمته "أن التفكير في الأجيال اللاحقة مع طريقة طرحها لهذا السؤال يدفع بنا أكثر فأكثر إلى عدم التقوقع في الماضي وإلى فرح الشجاعة في الإقدام إلى الأمام، ماخرين عباب التاريخ في سفينة جامعة الروح القدس – الكسليك، في عقليّة فرحة ومرنة إداريّا، متعلقة أكثر فأكثر بالمبادئ العتيقة التي كوّنت الجامعة. إنّ مقاربة كهذه، تنقّل الفكر بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتدعونا إلى وقفة جريئة أمام التاريخ في كلّ أبعاده. فنتلقّف الماضي ولا نقف عنده، ونتفاعل مع الحاضر بدون الرزوح تحت مشاغله، ونعمل للمستقبل بدون أن يلتهمنا قلق تهيئته وجهلنا فحواه، مستلهمين في كلّ ذلك المبادئ والقواسم المشتركة بين حقبات التاريخ، مصغين إلى صوت المؤسسين، لا بل المؤسِّسة، أي الرهبانية اللبنانية المارونية، تحثّنا على أمر وحيد، ألا وهو السير "على هدي الروح القدس".

وعرض لتراث جامعي يصبّ في جامعة الروح القدس مشيرا إلى أنه "حين الكلام في عمل التأسيس، تنشط في النفوس فضوليّة مساءلة التاريخ عن العمل التربوي في التعليم والتعليم العالي في هذه الرهبانيّة. لست هنا بوارد تعداد جميع المحطات المتعلّقة بهذا التاريخ. ولكنّ التعليم في المدارس والتعليم العالي ارتبطا بأديار عديدة، منذ بدايات الرهبانيّة التي تأسّست سنة 1695، خاصة من خلال علم الفلسفة واللاهوت. وإنّ ذلك يتوافق مع عدّة جامعات غربيّة بدأت في القرون الوسطى مع الفلسفة واللاهوت فقط، لتتطوّر في مراحل لاحقة…"
كما تحدث عن التطوّر في التواصل معتبرا أن هذا حصل نتيجة جهود كل فرد في الجامعة، فعلا البنيان بين حقبة وأخرى وتجمّل الحرم الداخليّ وتبدّلت جغرافيا الجامعة وكثرت الكليّات ونشأت اختصاصات جديدة وصيغت الحوكمة وتطوّرت وتبدّلت ووضعت القوانين الجامعيّة في مختلف حقبات الجامعة وصيغت البرامج ونسجت العلاقات المحليّة والدوليّة ودخلت التكنولوجيا الحديثة
إليها . كما نوّه بما جرى من أبحاث وبالانتاج الفكري في الجامعة ومحبتها للوطن والدور الذي لعبته على الصعيد الوطني والكنسيّ في ميادين عديدة، خاصّة في التجديد الليتورجي المارونيّ… إنّها فعلا مسيرة "على هدي الروح القدس". إنّها مسيرة تستلهم مبادئ حميدة وتترسّخ في التقليد وتتطلّع إلى المستقبل. إنّها مسيرة تواصل في ديناميكيّة تطوّر وثّاب".
ثم استعرض الأب محفوظ بعضًا من الأمور التي تبيّن منطق التفكير الذي يسود حكم الجامعة وحوكمتها، ومنها الجودة والاعتماد والمشاركة في النموّ. ولفت إلى أن "الجودة"، بالمعنى الديناميكي للكلمة، معيار أساسي للعمل. هي التي نضعها أمام أعيننا وهي التي تحرّك أعمالنا. لقد كنا السباقين في العام ٢٠٠٩ في تشريع أبواب جامعتنا لتقويم اتحاد الجامعات الأوروبية ونعمل حاليّا لنحصل على اعتماد وفق أرقى المعايير الاوروبية ونهيّئ الجامعة لاعتماد اميركيّ وفق المعايير المعروفة. وإنّ الجامعة قد أنشأت منذ سنتين مكتب الجودة والفعاليّة المؤسساتيّة من أجل تأمين المناخ الملائم للأساتذة والموظفين والطلاب وجميع الأفرقاء المعنيين بالعمل الجامعيّ، وفق طرائق ومناخات وأجواء يحقّقها هذا المكتب. فتطوّرت آليات العمل. ونشرت النصوص الأساسيّة في الجامعة. وتكرّس التقويم الذي يقوم به الطلاب لأساتذتهم، والذي يقوم به أعضاء العائلة الجامعية للحياة ضمن الحرم الجامعي". وأعلن أنه في مطلع الأسبوع المنصرم أدخل هذا المكتب برنامجًا لتقويم الدروس ومنهجيّة التعليم، من قبل الطلاب، على الانترنت، يستعمل في أفضل الجامعات الغربيّة. واعتبر "أن الهمّ في كلّ ذلك هو بناء مجتمع يسود فيه منطق الشراكة ومنطق الحقوق والواجبات، فتكون الجامعة واحة رقيّ وحضارة وسموّ تعاطٍ بين جميع الأفرقاء فيها، بمن فيهم الطلاب".
أما عن الشراكة مع بقيّة الجامعات فشدد الأب محفوظ على "أن الجامعة تعي عراقتها وطريقة عملها وتشدّد على انفتاحها على جميع مكوّنات الوطن، لما يصب في مصلحة الخير العام وخير شبابنا ومجتمعنا، مؤكدا مضاعفة الجهود في نسج العلاقات الدوليّة مع جامعات في بلدان مختلفة، والهمّ في كلّ ذلك تحقيق الجودة في التعليم العالي في جامعتنا.
كما تحدث عن أهمية التفكير الالكتروني وتجديد ذهنية التعليم والتعلّم، معتبرا "أنّ أُسس التعليم العالي التقليديّة تهتز. والمفارقة هي أنّ تدعيم هذه الأسس لا يكون بالخوف والتقوقع، بل بمعرفة تلقف هذا التغيير وإدخاله، بسرعة، ولكن باتزان ووعي، في منطق العمل الجامعيّ. هذا ما جعلنا نوجّه الأنظار أيضا إلى إحدى الجامعات الأميركيّة للتعاون معها في هذا المضمار".
وأكد "أننا في جامعتنا، نصبو إلى الشراكة، لأنّ شراكة العائلة بهيّة وسامية هي. وفي المجتمع لكلّ مسؤول دوره في نموّ النحن ونموّ كلّ أنا. إحقاق الحقّ وإرادة الخير والمحبة وحماية النحن، أسس بدونها يتفتت المجتمع"، مستشهدا بقول قداسة البابا بندكتوس السادس عشر في رسالته الاجتماعيّة، "المحبّة في الحقيقة": "بدون حقيقة، بدون ثقة وبدون محبة ما هو حقّ، لا يوجد وعي أو مسؤولية اجتماعية، والعمل الاجتماعي يصبح فريسة منافع خاصة ومنطق سلطة تؤدي الى تفتت المجتمع" (عدد 5). وإحقاق الحقّ يتطلب محبة وحزما وقرارا من قبل المسؤول، مهما بلغ حجم القرار وقوّة الحزم، ولو تجلّت المحبّة والحقّ بقرارات شديدة الصرامة. أمام معطيات كهذه يحار كثيرون حول كيفيّة النظر الى المجتمع الجامعيّ".
كما شدد على "أنّ المحيط الجامعيّ في العموم هو مكان سام وراق. ولكنّه، مثل كلّ مجتمع، له معوقاته الإداريّة وله حساباته الأنانيّة. أمام هذا الواقع، تصلح فقط النظرة الإيجابيّة والواقعيّة. دعوني في هذا الإطار أفتح نافذة على واقعنا اللبناني. نرى القلق مسيطرًا على النفوس، بسبب كلّ ما يجري، هنا أو هناك. لا أريد الدخول في أيّ نقطة معيّنة ممّا يحدث. أريد فقط القول إنّنا ننظر إلى واقعنا اللبنانيّ بإيجابيّة وواقعيّة، لأنّ وطننا جميلٌ ليس فقط بجغرافيّته بل بقدراتِه الإنسانيّة أيضًا. ولأنّ من أُعطي أن يجوب بلدانا عديدة على وجه الكرة الأرضيّة، يعلم جيّدا أن القلق الوجوديّ يلبس في كلّ مكان الحلّة التي تناسبه. وحدها الواقعيّة المقترنة بالحكمة وبإرادة الخير كفيلة باستيعاب المشكلة وتخطيها، بكلّ رزانة ونبل يدفعان بالقلق بعيدًا عن النفس ويسمحان بالانطلاقة الجديدة والفرحة، لكلّ إنسان، حيثما كان، مهما كبرت المصاعب"، معتبرا أنه "من واجب كلّ مواطن، حيثما كان، أن يزرع الخير ويعزّز مجتمعه الصغير، لكي يتعزّز بالخير والسلام المجتمع الكبير الذي هو لبنان. وأعتقد أنّ النظرة الإيجابيّة والواقعيّة إلى الحياة عمومًا تندرج في النظرة الشاملة والمؤمنة إلى التاريخ. فنحن نعمل في التاريخ ونصنعه، لا بل علينا أن نعمل الخير فيه، ولكنّنا لسنا أسياده، فكلّ بصير منّا يتيقن عدم سيطرة المرء على التاريخ ومكوّناته، فالربّ سيّده، حاميه وحافظه، في ماضيه وحاضره ومستقبله".
وأكد أن "من هذا المنطلق، نعمل على تعزيز الحياة الجامعيّة عندنا. فنحن ننظر إلى واقع جامعتنا بالعين المؤمنة ذاتها. بعيدًا عن الترف الفكريّ الذي غالبًا ما يشد المجتمعات إلى الخراب، غير عابئ بالمعطيات الواقعيّة، نحاول مقاربة الواقع من خلال المبادئ المعلنة سابقًا، وفق تعليم الكنيسة وروحيّة الرهبانيّة وتوجيهات قدس أبينا العام. نقارب الواقع، فيما نريد الانطلاق بلا هوادة إلى الأمام، معالجين المعوقات الإداريّة والأنانيّة وفق مبدأ الخير، عالمين أنّ النموّ السريع ممكن، وأنّ ركوب الموجات الجامعيّة العالميّة يمكن أن يتمّ بكلّ وعي وكلّ أمان، لأنّنا سائرون "على هدي الروح القدس".
وتوجّه إلى الطلاب بالقول: "أنتم الغاية المحوريّة لنضالنا الروحي والتربوي. ومن خلالكم تتفاعل الجامعة مع المجتمع والوطن. إنّ المسيرة نحو الأمام التي يريدها المسؤولون في الجامعة، "على هدي الروح القدس"، تستلهم قديسي الرهبانية اللبنانية المارونية، مار شربل والقديسة رفقا ومار نعمة الله والطوباوي الأخ اسطفان، هم الذين يعلّموننا الا تكون عندنا نظرة ضيّقة ومنغلقة عن الدين، بل انفتاح نحو الآخر ونحو المطلق بطرائق الحياة المتعددة، والسير إلى الأمام بكلّ فرح، متخطّين المشاكل اليومية… أيّها الطلاب الأحبّاء، نظام الجامعة يعلّمكم الانضباط في مجتمع راقٍ، من خلال واجباتكم واحترامكم للقوانين، ويدعوكم إلى المطالبة بحقوقكم وإبداء ملاحظاتكم، برقيّ وحضارة أيضًا، من خلال التقويم الذي تقومون به ومن خلال مكتب شؤون الطلاب. تعلمون جيّدا أنّ الرهبانيّة بقربكم، في الضائقات الماديّة التي قد تمرّون بها، من خلال مكتب الخدمات الاجتماعيّة الذي أصبح مؤسسة نفتخر بها وندعوكم إلى اللجوء اليها كلّما دعت الحاجة، مع راية الحقيقة، على الدوام. إنّ الرهبانية بجانبكم، روحيا، من خلال العمل الرعوي الجامعي. يمكنكم أن تفتخروا بانتمائكم إلى جامعة الروح القدس – الكسليك، من خلال برامجكم والتكنولوجيا والعلاقات الدولية والحرم الجامعي. سوف ترون في هذه السنة قفزة نوعيّة على مستوى مكتب القدامى، لأنّ الهمّ هو أن تبقوا دائمًا على ارتباط كبير بجامعتكم…"