كتب وليد شقير في صحيفة "الحياة":
قال مصدر سياسي متابع لخفايا الوضع السياسي المأزوم الذي شهدته البلاد خلال الأسبوعين الماضيين، إن إعلان رئيس الجمهورية ميشال سليمان في مقابلته التلفزيونية، نيته الدعوة إلى التئام طاولة الحوار الوطني، جاء نتيجة تراكمات عدة جعلت منه المسؤول الوحيد القادر على التواصل مع جميع الفرقاء في البلد، والذي يمكنه القيام بمبادرات تسمح بخفض نسبة التوتر الذي تصاعد في الآونة الأخيرة.
وذكر المصدر نفسه أن أوضاع الحكومة الحالية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي والتناقضات في داخلها والشلل الذي أصابها، فضلاً عن تباعد المواقف بين فريق 8 آذار ومعه العماد ميشال عون، وفريق 14 آذار، «جعلت من الرئيس سليمان المرجع الوحيد الذي باستطاعته مخاطبة جميع الفرقاء في البلد وهذا بمقدار ما يعطيه صدقية ويؤشر إلى أهمية دوره في هذه المرحلة، يدل على أن وضع البلد والمشهد السياسي فيه يميلان إلى السلبية وانسداد الأفق السياسي».
وأضاف المصدر: «بمقدار ما يزعج هذا الموقع الذي يحتله الرئيس سليمان بعض الفرقاء السياسيين الرئيسيين في المعادلة الحاكمة، لا سيما زعيم «التيار الوطني الحر» و «تكتل التغيير والإصلاح» النيابي العماد ميشال عون وحلفائه الذين يعطون أولوية لمراعاة مطالبه في وجه سليمان، يجعل دوره في جهود معالجة التأزم الذي نجم عن الخلاف على الموقف من الأزمة السورية، وعن الأحداث الأمنية في طرابلس ثم عكار وبيروت أساسياً».
رسالة خادم الحرمين
ورأى المصدر السياسي المتابع أن التأزم الأخير دفع بالكثير من الجهات الخارجية والمحلية إلى اللجوء لسليمان في التعاطي مع الوضع اللبناني. وقال المصدر: «لو أن المملكة العربية السعودية مثلاً تعتبر أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قادر على أن يلعب دوراً في خفض نسبة التوتر، لكانت رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وجّهت إليه، لكن القيادة السعودية فضلت مخاطبة رئيس الجمهورية، إن في ما يخص إبداء القلق حيال أحداث طرابلس لجهة استهدافها إحدى الطوائف الرئيسة التي يتكون منها النسيج الاجتماعي اللبناني، أو لجهة الإشارة إلى خطورة الأزمة وإمكانية تشعبها لإحداث فتنة طائفية وإعادة البلد إلى شبح الحرب الأهلية، وتشجيعه على رعاية الحوار الوطني والنأي بلبنان عن الأزمة السورية».
وفي اعتقاد المصدر نفسه أن الجانب السعودي «تنبه على الأرجح إلى أن الرئيس سليمان بقي بمنأى عن الضغوط للانحياز إلى هذا الفريق أو ذاك وأنه تجنب الخضوع لضغوط من حلفاء سورية، فيما قاد اضطرار بعض الأطراف إلى مسايرة ما يطلبه الجانب السوري وحلفاؤه في لبنان إلى تعطيل قدرتهم على التواصل مع الفرقاء الآخرين». وبموازاة إصرار سليمان على تغطية الأجهزة الأمنية والجيش في الأحداث الأخيرة ورفضه الهجوم عليها، وعلى أن ينتشر الجيش في طرابلس لوقف الصدامات، رفض في المقابل زج الجيش باعتماد التدبير الرقم – 1 في ما يخص انتشاره في منطقة عكار الذي أصر عليه وزراء «التيار الوطني» في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، «نظراً إلى محاذير هذا التدبير الذي يشبه إعلان حالة طوارئ في تلك المنطقة»، وفي وقت كان التأزم ما زال قائماً هناك. وترافق ذلك مع إصراره على رفض بعض المطالب «الانفعالية» التي دعت إلى انكفاء الجيش.
وتابع المصدر: «كل الأحداث الأمنية التي حصلت والتي لها خلفيات معينة لم يكن الرئيس سليمان على صلة بها، بينما كان جهاز الأمن العام الذي ألقى القبض على المشتبه به الأردني عبدالملك عبدالسلام والذي أدى التحقيق معه إلى توقيف شادي المولوي، الذي أطلق أحداث طرابلس، جاءت بتغطية من الرئيس ميقاتي، وقيل حينها إن جهاز الاستخبارات البريطاني (ومعه الجانب الأميركي) هو الذي أعطى المعلومات عن الأردني عبدالسلام لإلقاء القبض عليه باعتباره ينتمي إلى شبكة إرهابية، وحصل الأمر على مباركة ميقاتي، لكن الأمر انتهى باضطرار رئيس الحكومة إلى الذهاب إلى طرابلس لاستقبال شادي المولوي في منزله. كما أن التغطية الحكومية للتوقيفات التي حصلت على أنها إنجاز أمني ذو بعد خارجي بالتنسيق مع استخبارات غربية، خصوصاً توقيف المواطن القطري عبدالعزيز العطية، انتهت إلى أن الأخير كان في وضع صحي صعب وإلى بذل المساعي مع دولة قطر كي تعود عن قرارها الطلب إلى رعاياها عدم السفر إلى لبنان. كما أن الملابسات حول طريقة انتقال الأردني عبدالسلام إلى لبنان بعد ترحيله من طهران إلى دمشق، طرحت تساؤلات حول طريقة انتقاله إلى الأراضي اللبنانية، خصوصاً أنه تبين عند توقيفه في مطار بيروت أن إحدى الصفحات في جوازه الأردني قد مزّقت منه».
الكلام الملتبس
وأضاف المصدر: «الكلام الملتبس للرئيس ميقاتي حول رسالة المندوب السوري الدائم في الأمم المتحدة إلى الأمين العام بان كي مون، والذي اعتبر فيه أن ما ورد فيها هو «تأجيج للخلافات»، قابله نفي واضح من قبل سليمان لما تتضمنه حين قال إن ما تحدث عنه الجعفري «لا يستند إلى وقائع والتقارير من قيادة الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية تشير إلى عكس ذلك تماماً». واضطر سليمان في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة إلى إبلاغ وزير التنمية الإدارية محمد فنيش حين قال إن هناك نقاطاً صحيحة في الرسالة بالقول: «كلها نقاط سلبية».
وأوضح المصدر السياسي المتابع أنه إضافة إلى نأي ميقاتي بنفسه عن الرد على الرسالة وغيرها من القضايا، مقابل رد سليمان، فإن رئيس الجمهورية كاد يتحمّل لوحده، لولا مساندة وزراء «جبهة النضال الوطني» النيابية التي يقودها النائب وليد جنبلاط، عبء الرد على الاتهامات التي وجهت إليه بعرقلة ما يطالب به وزراء عون وقوى 8 آذار في التعيينات، وفي مسألة الإنفاق المالي التي أصر حلفاء سورية على مراعاة مطالب العماد عون في شأنها وهي تقوم على قوننة اتفاق حصل فوق الموازنة الأخيرة، مع إبقاء ما أنفقته حكومتا الرئيس فؤاد السنيورة من دون قوننة، فيما حرص ميقاتي على التزام الصمت حيال هذه الأمور في شكل دفع رئيس الجمهورية إلى الاستغراب، هذا فضلاً عن أن ميقاتي اضطر للموافقة ضمناً على مطالب تحالف «حزب الله» وحركة «أمل» على بعض التعيينات الإدارية، من خارج الآلية المتفق عليها ثم عاد عن هذه الموافقة، ما أحدث بلبلة في الوضع الحكومي وزاد من شلل عملها.
وقال المصدر إن هذه التطورات وغيرها جعلت موقع سليمان محورياً في الوضع السياسي المأزوم الذي تعيشه البلاد، «فهو لم يمالئ حالة التشنج الأخير عند قوى في الحكومة، كما أنه بموقفه الرافض شروط قوى 14 آذار على المشاركة في الحوار الوطني، انتقد هذا الرفض مطالباً الشعب بالضغط على قياداته لتقبل بهذا الحوار، بحيث يحفظ وسطيته. هذا فضلاً عن خلافه مع بعض أطراف 14 آذار حول قانون الانتخاب».
التسليم بدوره
وأضاف مصدر رسمي على ما قاله المصدر السياسي المتابع، أن «هذا الموقع الذي أصر سليمان على الاحتفاظ به دفع قوى في 8 آذار إلى التسليم له بدوره في التواصل مع الدول الخليجية لحل أزمة القرارات الصادرة عن دولة الإمارات وقطر والبحرين والكويت بمنع سفر رعاياها إلى لبنان، وباستخدام صلاته مع كل الدول بما فيها تركيا للسعي من أجل تحرير المخطوفين اللبنانيين من قبل مجموعات مسلحة في سورية، بعدما قطعت هذه القوى صلاتها بهذه الدول بحكم سياستها حيال الأزمة السورية».
وتابع المصدر الرسمي نفسه أن سليمان، «على رغم هدوئه واعتداله سيبدي في هذه المرحلة من التأزم صلابة في موقفه من عدد من القضايا ويجب على الأطراف السياسية أن تأخذ بجدية ما أعلنه عن أنه مستعد للتقدم باقتراح تعديل دستوري لتقصير ولايته، كما قال في مقابلته التلفزيونية، إذا استمر يتعرض لعرقلة جهوده من أجل تطبيع الوضع الداخلي فهو لن يقبل مواصلة أطراف داخلية وخارجية بالضغط عليه ويفضل التنحي إذا كان هدف هذا الضغط تخليه عن قناعاته».