كتبت صحيفة "اللواء":
من المؤكّد أن خطف الحجّاج اللبنانيين، العائدين من إيران في حملتي «بدر الكبرى» و«الإمام الصدر» في مدينة حلب شمال سوريا وثمّة من يعتقد أن الخاطفين عادوا باللبنانيين المحتجزين، لدى «جماعة مسلّحة» إلى محافظة حمص، التي شهدت عمليات «قتل جماعية» بين أنصار النظام، والقرى المتعاطفة مع «جيش سوريا الحر»، الذي تتواجد قيادته بين الأراضي السورية والتركية، من المؤكَّد أن حادث الخطف، الذي وقع مطلع الأسبوع الماضي، جاء في سياق، استعار حمى المواجهة، الممتدة من العراق إلى سوريا، فشمال لبنان، ولبنان، من دون إسقاط المخاضات الجارية في الدولتين الإقليميتين، المعنيتين أكثر من سواهما في ما يجري داخل البيت العربي – الإسلامي، من إعادة صياغة للسياسة «بثياب دينية» أو «بعمائم بيض وسود»، يؤدي فرزها الى فرز المسلمين بين سنّة وشيعة.
وبصرف النظر عن المعطيات التي حدت بالخاطفين إلى انتخاب الزمان والمكان لإنجاز «عملية الخطف»، ذات الهوية الطائفية والمذهبية الفاقعة، فإن الحدث، يحمل في طياته رسائل وأهداف ومخاطر، ويؤشّر إلى دخول العلاقات الشعبية بين لبنان وسوريا، مرحلة، تنقل العداء من بعض السلطة في لبنان إلى نظام الحكم في سوريا إلى عداء بين قطاعات طائفية مشكّلة لجماعات الشعب في سوريا ولبنان.
{ على مستوى الرسائل: أراد الخاطفون، والقوى العسكرية والسياسية التي تقف وراءهم في الحراك السوري المناهض للنظام، توجيه رسالة إلى الفريق الشيعي في لبنان، وعلى الوجه الأخص لحزب الله وقيادته، أن جماعة الحزب وطائفته لن تكون بمنأى عن ما يجري من قتل وضرب في سوريا.
وامتداداً، فالرسالة التي بعث بها الخاطفون، سواءً أكانوا، «جماعة مهرّبين» تعمل لخدمة هذا الفصيل العسكري المناوئ لنظام الأسد أم لا، أو متصلة مباشرة بأطراف المعارضة، في الجيش السوري الحرّ أو التنظيمات ذات الإمتداد الأصولي من اليمن والعراق إلى سوريا، أن الاستمرار بدعم النظام سيُلحق الضرر مباشرة بالمصالح الحيوية للطائفة الشيعية، سواء عبر حركة التنقّل، لا سيّما إلى الأماكن المقدّسة والعتبات التي يدأب المسلمون الشيعة على زيارتها طوال العام، فضلاً عن إلحاق الأذى بمصالح حُسن الجوار والعمل والمصالح التجارية والاقتصادية الملموسة..
وهناك، من يربط الخطف بأنه رسالة من المعارضة السورية «لأصدقائها» في لبنان، لا سيّما بعد خطف الشاب الطرابلسي شادي المولوي، وقتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومحمد حسين مرعب في «الكويخات» العكارية على حاجز للجيش اللبناني، مع أن مثل هذا الإحتمال بالغ الإستبعاد، لأسباب كثيرة، ليس أقلّها أن القوى اللبنانية من 14 آذار المتعاطفة مع ما تسميه «الربيع السوري»، لا تقبل بأي شكل من الأشكال مثل هذه الأعمال المرفوضة.
أمّا على صعيد الأهداف، فلم يكن السيّد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله مخطئاً عندما لاحظ أنه إذا كان من ضمن أهداف الخاطفين الضغط على الحزب لتغيير موقفه من مسار الأحداث السورية فهو مخطئ، لأن الحزب اتخذ قراراً بشأن موقفه من الأزمة السورية، بما يراه حزب الله مصلحة للشعب السوري والمنطقة، التي تتعرّض لهجمة غربية – أميركية – إسرائيلية.
من حيث المبدأ شكّلت ظاهرة الخطف، عبر التاريخ مناسبة للضغط على الخصم، وفتح باب المفاوضات، لأجل أهداف تتّصل بالصراع القائم بين الأطراف. والمخطوفون عبر التاريخ كانوا بمثابة رهائن (Otages) تنطلق مفاوضات لاستعادتهم، إمّا بأثمانٍ سياسية أو مالية.
وفي الحالة الراهنة، فإن حسابات الخاطفين لا تختلف عن الأهداف الأصلية لعمليات الخطف عبر المسار التاريخي، فهؤلاء يريدون حصاد مال وسياسة في الوقت عينه..
على أن الأهداف، وإن كانت بعيدة المنال، في الحسابات الداخلية اللبنانية، بدليل ردّة الفعل الشاجبة لبنانياً وإسلامياً ضد هذا العمل «المدان»، و«الجبان» في الوقت عينه، إلاّ أنها بعثت برسالة قوية «لحزب الله» وحليفه حركة «أمل» وعموم الجمهور الشيعي، الممتد على جغرافية عريضة مؤيّدة للنظام، وغير متعاطفة مع الحركة الإحتجاجية، المعبّر عنها بالتظاهرات أو العمليات العسكرية ضد المراكز الأمنية للنظام وقواته العسكرية، وأجهزة الأمن التابعة له، مؤداها أن سياسة التحالف مع حكم الأسد، ستترتب عليه فواتير، ستُدفع آجلاً أم عاجلاً..
وبالنظر إلى وضوح الرسائل، وسقوط الأهداف، فإن المخاطر الماثلة أمام هذا الحدث، الجديد من نوعه، والجديد في موقعه من حركة الأحداث السورية، هو تعميق الشرخ المذهبي، وتوليد حالات من ردّة الفعل، التي تؤسّس لمناخ مذهبي، يتفاقم، ويُصبح من غير السهل السيطرة عليه..
وبصرف النظر، عن «الدعسات الناقصة» في إدارة ملف المفاوضات، لاستعادة هؤلاء «الأسرى» المخطوفين، وبصرف النظر عن «البلبلة الإعلامية»، واستهدافات إحداث الشرخ في غير جهة أو موضع، بعدما ظهر إلى الإعلام أن المعارضة السورية بالغة العتب من موقف السيّد نصر الله مما يجري، والدعم غير المحدود للنظام القائم، رغم الدعوة إلى الحوار، والتسوية السياسية للأزمة، فإن حادث الخطف علامة فارقة في الأزمة المتمادية، وغير القابلة، لا وفق خطة كوفي أنان أو غيره، لحلّ قريب، وهو، أي الحادث، إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على تهديد الاستقرار اللبناني، من زاوية الامتداد الطائفي والمذهبي، والإنقسام التاريخي في الجغرافيا المشكّلة من بغداد إلى دمشق، فبيروت، في مرحلة البحث القلق عن المصائر و«البدائل»، سواء في الجغرافيا أو اقتصاد الطاقة والسيطرة!