والاسباب الموجبة لاسئتناف الحوار كانت موضع نقاش صريح بين الرئيس نبيه بري والسفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري، خلال اللقاء الذي جرى بينهما مؤخرا، بعدما استشعر رئيس المجلس النيابي خطورة الاحداث التي وقعت في طرابلس إثر توقيف شادي المولوي، لا سيما انها تقاطعت مع معلومات خطيرة وصلت اليه حول التحضير لتوتير الشارع في أكثر من منطقة، سرعان ما تأكد من صحتها مع تلاحق التطورات الامنية.
أمام هذه الصورة القاتمة، قرر بري "الاستعانة بصديق"، فكان اللقاء العاجل بينه وبين عسيري في عين التنية، حيث أبلغ رئيس المجلس السفير السعودي بأنه قلق جدا من مسار الاحداث في لبنان، ومن تداعيات الازمة السورية عليه، لافتا انتباه ضيفه الى انه لو انخرط اللبنانيون جميعا مع المعارضة أو النظام في سوريا، فإنهم لن يستطيعوا التأثير في الأزمة، ولكنهم بالتأكيد يتأثرون بها.
وشدد بري على ان خيار النأي بالنفس هو الخيار الافضل والأجدى للبنان، "وعلينا ان نسير "الحيط بالحيط"، حتى نمرر هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة"، واقترح ان تساعد الرياض في إعادة إطلاق الحوار الوطني، قائلا: الحوار بات اليوم أكثر من ضروري لمواجهة خطر الفتنة.. في السابق، فريق "8 آذار" هو الذي أوقف الحوار، وأنا كنت مع استكماله بمن حضر، ويومها أبديت استعدادي كي أتحمل شخصيا مسؤولية ما أستطيع ان آخذه على عاتقي من التزامات أو قرارات، لكن رئيس الجمورية رفض آنذاك متابعة الحوار إلا بمشاركة الجميع، ثم حصل ما حصل، وتوقفت الجلسات في قصر بعبدا".
وتابع بري مخاطبا السفير السعودي: الآن، فريق "8 آذار" مستعد لمعاودة الحوار بلا شروط تحسسا منه بالمسؤولية الوطنية في هذه الظروف الصعبة، وبالتالي من قاطع طاولة الحوار قرر ان يعود إليها، أي انه هو الذي تراجع من حيث الشكل، فأين هي مشكلة "14 آذار"؟ وتمنى بري ان تساعد المملكة في تسهيل الامر.
قبل ان ينصرف عسيري، اقترح على بري تعميم أجواء اللقاء، خصوصا في ما يتعلق بالحوار، وهذا ما تلقفه رئيس المجلس بإيجابية وارتياح، بعدما استشعر ان تمني السفير السعودي إنما يعكس رغبة ضمنية لدى المملكة في ان يتم تمهيد الأجواء أمام تدخلها للمساعدة على تجديد خلايا الحوار الوطني.
وسط هذا المناخ، جاءت حادثة اختطاف اللبنانيين في سوريا لتعيد تلقائيا فتح الخطوط التي كانت مقفلة بين بري من جهة ورئيسي الجمهورية والحكومة من جهة أخرى، على خلفية الخلاف حول مشروع الـ8900 مليار ليرة والأداء الحكومي. وقد انتهز بري الفرصة خلال محادثة سليمان له هاتفيا، في إحدى المرات، كي يحثه على جمع شتات طاولة الحوار مجددا، بالاستناد الى قوة الدفع المتأتية من برقية الملك عبد الله، فأبلغه رئيس الجمهورية بأنه يتهيأ لذلك.
في هذه الاثناء، كانت التقارير التي تصل الى بري تبعث على المزيد من القلق، لا سيما لجهة احتمال توريط المخيمات الفلسطينية في التوتر الذي تشهده الساحة اللبنانية، في وقت كان رئيس التنظيم الشعبي الناصري أسامة سعد يبلغ بري ان هناك مظاهر مسلحة وحوادث غير معلنة تسجل في صيدا، وهو ما ترافق مع القطع المتكرر لطريق بيروت – الجنوب عند منطقة الناعمة.
على إيقاع هذه المعطيات، اتصل وزير الخارجية عدنان منصور برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتمنى عليه إرسال موفد من قبله الى لبنان على عجل. وبالفعل، وصل لاحقا المسؤول الفلسطيني عزام الاحمد الى بيروت، حيث التقى بري الذي صارحه بما يملك من معلومات، قائلا له: لقد قدم لبنان الكثير من أجل الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، وهو ينتظر منكم ما يتناسب مع هذه التضحيات.. من هنا، أنا أدعوكم الى التحرك سريعا لإخماد الفتنة التي يُعد لها البعض، ويريد للمخيمات ان تكون منطلقا لها.
وتابع بري متوجهاً الى الزائر الفلسطيني: أنا أعرف بالاسماء من هم الذين يخططون لاغتيالي، وأعرف أين يجتمعون وماذا يخططون.. تفضل، هذه لائحة بأسمائهم.
وأمل بري أن تبذل السلطة الفلسطينية كل جهدها لمنع استخدام المخيمات في أي اضطراب داخلي، مشددا على ضرورة عدم التهاون في هذه المسألة التي تخص الامن اللبناني والامن الفلسطيني على حد سواء.
وعلى خط مواز، كان بري يتواصل مع قيادة حركة حماس ويضعها في أجواء المعطيات المتوافرة لديه.
ويبقى السؤال: هل ستدفع كل هذه التحديات والمخاطر الداهمة القوى الداخلية الى تجاوز حسابات الربح والخسارة، بالمعنى الفئوي الضيق، نحو مقاربة أشمل تأخذ بالاعتبار ان المصير الوطني بمجمله بات على المحك؟
لعل الاسبوع الثاني من حزيران سيحمل معه الجواب الحاسم.
