كتب أنطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":
الخلاف السياسي الحاد على ملف الانفاق وصل الى طريق مسدود، الأمر الذي دفع كل الأطراف الى المطالبة بإنجاز مشروع موازنة للعام 2012 ليكون بمثابة حل للنزاع. لكن ما عرضه وزير المال محمد الصفدي قد لا يشكل مخرجاً، لأن مضمون مشروع الموازنة قد لا يمر بسهولة، ومن المرجّح أن يتحوّل الى مادة جديدة للتجاذبات.
عندما إنكبّ وزير المال محمد الصفدي على إعداد مشروع الموازنة الجديد، عقب سحب المشروع الاول من مجلس الوزراء لتعديله، كان يعرف انه يواجه حالة مستعصية. فالرجل اختبر صعوبة إعداد الموازنات في لبنان، لأن المطلوب تحقيق معجزات. وعلى سبيل المثال، من يعدّ مشروع الموازنة عليه أن يأخذ في الاعتبار أن يكون العجز ضمن النسب المقبولة، وهذا يعني الحفاظ على التوازن بين النفقات والايرادات. كذلك، مطلوب زيادة الانفاق الاستثماري للمساعدة في تحريك الدورة الاقتصادية. بالاضافة طبعا الى أن كل وزير يريد رفع موازنة وزارته، حتى يبدو الأمر أشبه ببرنامج "ما يطلبه المستمعون". وهذا الدلع الوزاري يزيد منسوبه في حقبة الانتخابات، حيث يامل كل وزير ان يتمكن من الانفاق ضمن وزارته على مشاريع تدعم حظوظه في كسب الانتخابات.
الى ذلك، مطلوب من وزير المال، في موازاة زيادة الانفاق، أن يبتكر وسائل زيادة الايرادات من دون أن يفرض ضرائب جديدة. ويقف الاتحاد العمالي العام، العاطل عن العمل مبدئيا، بالمرصاد للاعتراض على أية ضريبة يمكن أن تمر في الموازنة الجديدة. والاتحاد يضغط طبعا لدفع الزيادة على الرواتب للقطاع العام. هذه الزيادة التي تبيّن انها ستكلف الخزينة حوالي مليار ونصف مليار دولار. واذا احتسبنا مبلغ 350 مليون دولار، وهو الرقم الاضافي الذي تضطر الخزينة الى تسديده لمؤسسة كهرباء لبنان مقارنة مع العام 2011، يتبين ان هناك زيادة في الانفاق تتجاوز ملياري دولار عن العام الماضي، مع احتساب الزيادة في الانفاق الاستثماري، والزيادة الناتجة عن التضخّم.
من هنا، وبعملية حسابية بسيطة، يتبين ان الموازنة الجديدة تحتاج الى زيادة الايرادات أكثر من ملياري دولار لكي تبقى نسبة العجز قريبة مما كانت عليه في العام الماضي.هذه المعطيات تسمح بالاعتقاد، ان الضرائب الجديدة التي وردت في مشروع الموازنة، والتي تهدف عمليا الى رفع الايرادات بحوالي ملياري دولار، قد لا تنجح في تحقيق هذه الزيادة، لأن المداخيل قد تكون معرّضة للتراجع من جهات أخرى. وبذلك، تكون الضرائب الجديدة قد نجحت في تعميق الركود الاقتصادي، والأزمة الاجتماعية، ولم تنجح في المقابل، في الحفاظ على نسب العجز المقدّر في الموازنة. وبالتالي، فان خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي من 135,1 الى 134.8 في المئة، كما أورد وزير المال، هدف مشكوك في تحقيقه.
يبقى سؤال آخر، يرتبط بنسب النمو المقدّر للعام 2012، والتي أُجريت الموازنة على اساسه. هذا النمو الذي قدّرته مؤسسات دولية بـين 2 و3.5%، في مطلع العام، لا يبدو انه سيتحقق. مع الاشارة الى ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المتفائل اكثر، عبّر عن اعتقاده ان النمو سيكون اكبر، انطلاقا من حساباته الخاصة في ما خصّ النمو في العام 2011. لكن كل هذه التقديرات كانت مبنية على اساس ان الوضع الامني مستقر، وان مداخيل موسم الصيف السياحي ستكون مرتفعة. ومع الانتكاسة الأمنية في كل المناطق تقريبا، ومع اضمحلال الآمال في موسم سياحي منتعش، فان النمو قد يكون شبيهاً بالعام 2011، أي صفر في المئة. وفي هذه الحالة، ستتغيّر الأرقام المقدّرة في مشروع الموازنة.
في النتيجة، مشروع الموازنة للعام 2012، يشكّل مادة خلافية جديدة، من دون ذكر بند تمويل المحكمة الدولية الذي كان واردا في المشروع السابق والذي كان موضع خلاف حاد، انتهى مع سحب المشروع لإعادة درسه. وبالتالي، فان هذا اللغم سيكون حاضراً بدوره لعرقلة تمرير الموازنة بصيغتها الجديدة. كما لا ينبغي إهمال عامل الانتخابات النيابية، هذا العامل سيساهم في تبنّي الوزراء، ومن بعدهم النواب، لمواقف شعبوية، لا علاقة لها بالأرقام والاقتصاد، بهدف زيادة رصيد الاصوات في صناديق الاقتراع، ولو أدّى ذلك لاحقا الى انخفاض منسوب الاموال في الخزينة والجيوب. وسيدافع هؤلاء بدافع الغريزة الانتخابية، عن فكرة عدم تمرير ضرائب جديدة، من دون ان يعملوا في المقابل، على خفض الانفاق. وبذلك، يرتفع العجز، ويرتفع حجم الدين العام بنسب تفوق الخط البياني الذي كان قائما في السنوات الثلاث الاخيرة. ويدخل الاقتصاد مرحلة أصعب من المرحلة القائمة حاليا.