ثلاثون جلطة وصمدت. ثلاثون مرة سكتَ قلبك وأَفاق. ثلاثون مرة خانتك الحياة وقمت. وألم تكن هكذا على امتداد حياتك يا صديقي وأخي ورفيقي نصير؟
لطالما سقطت في الجامعة تحت ضربات القمع، مرات، ونهضت، لطالما قاومت واقفاً وبقيت واقفاً. كنت تجابه، ومرات، كادت الأرماق أن تجحد بك، فأخلصت لها، في ساحات المقاومة، والنضال، والشغف الكبير. من حلم يُهزم الى آخر ينتصر، من معركة خاسرة الى أخرى رابحة. بين العتبات الكبرى، انتصبت يا نصير. محارباً. تكسر التقاليد لتدخل الى الحرية. تتجاوز عتبات المذاهب والطوائف، لتنضم الى الوطن، تسبق الأبواب المغلقة، وتفتحها، لتقتحمها آمالك، الصعبة. فكأنما لم أجدك مرة مرتاحاً، مطمئناً، ساكناً، فمنذ التقينا في الجامعة الوطنية قبل 40 عاماً، وكانت موئل نضالنا لجعلها جامعة، وطنية، وإبداعية. كنت دائماً على ذلك القلق الذي يمشي (ولا مرة قلقت واقتعدت قلقك)، دائماً على المجازفات التي تلازم، الخطر، والمغامرة، وكسر المحرمات، والموت، والخوف، والاقتحام. من الجامعة الوطنية وكنّا نجسد طموحاتها الكبرى، في حرية طالبية جمعت التناقضات فبلورتها وحوّلتها وسيلة كفاح موحدة. فإلى الساحات، والاعتصامات، والمجابهات، والتظاهرات، من اليونيسكو فإلى ساحة الشهداء، الى مجلس النواب، الى المطار، الى كورنيش المزرعة، الى الوزارات، مظاهرات كانت الإطلالات المدنية الطالبية لمجتمع ديموقراطي، ولنظام ديموقراطي، ولجامعة تكون خزانه، وينبوعه، الفكري والإبداعي.ذلك أن الحركة الطالبية وكنت من قادتها الكبار، ومن يسارييها الكبار كأنما هي التي بعثت الإشارات الأولى لثورة 14 آذار… والربيع العربي. فبالتظاهرات السلمية تمكنت الحركة الطالبية من تحقيق "المستحيل": وبالضغط الديموقراطي الجامع، تمكنت من تحويل جامعتنا الوطنية الى إحدى المحطات الرائدة، في المستويات الأكاديمية، وفي الروح الإبداعية النضالية. وكنت يا نصير في المقدمة. تتصدّر بحضورك الدينامي، الحي، عشرات الألوف من هؤلاء الطلاب الذين كانوا يحاولون أن يصنعوا تاريخ هذا البلد، بعيداً من مختلف الإقطاعات الدينية والمذهبية والعائلية. تمرّدت أنت على بيئة انتميت إليها. وعلى زمن اختلفت عنه. تماماً كما تمرّد ألوف من الطلاب على تلك العلاقات اللاتاريخية، المناطقية والمذهبية، والحزبية التقسيمية. تمردت. وكان لك خيارك في التغيير الجذري. مع منظمة العمل الشيوعي. والمقاومة الوطنية في تيار المستقبل و14 آذار. من الجامعة الى ما هو أبعد: التاريخ، الجماهير الكبرى، الحروب، القتال… العروبة، وفي تلك المرحلة يا نصير، أي في السبعينات، كان لكل منّا حلمه. هذا حلمه صغير. وهذا حلمه أكبر وذلك مستحيل، وذلك حلمه على مقاسه. كانت أرض الأحلام. فكيف اتسعت الشوارع والجامعات والمدارس والطرقات لكل هذه الأحلام، المختلفة، المتضاربة، المتشابكة، للانخراط في التغيير الكبير. التغيير الأبعد من الفئويات. ومن الانقلابات. كان لبعض اليمين من حلم. ولليسار. ولليبراليين. والشيوعيين. مفتوحة على الأخرى. لا نكران، ولا عزل. ولا إلغاء. هذه كانت الجامعة اللبنانية، خصوصاً عندما أنشئ اتحادها الوطني (أهم إنجاز نقابي منذ الاستقلال) المستقل، القوي، الملتزم…
ومن هذه التجارب، وكنت في طليعتها. وعندما، ضربت الحروب الجامعة، ودمرتها كأنما بات كل شيء يسبقك. ويسبقنا: كانت المقاومة الفلسطينية، وكانت الحروب. وكانت الطائفية. والمذابح. والتهجير. والقتل على الهوية، والكانتونات… إنهار كل شيء حولنا يا نصير. أنت اخترت طريق أن تغير. وأن تعيد بناء وطن غير ذلك الذي عرفناه، ونظام يختلف عما عشنا… وكعادتك… مضيت الى آخر الأمور. ولم ترد أن تكون من الوسط. ولا من الذين يساومون. اقتحمت المناطق الخطرة يا نصير. تخطيت المعادلات المألوفة بذلك الحلم الكاسر. الجامح. العاصف… وكنت من القيادات. ومن الطلائع. وفياً لأفكارك حتى النهاية بلا حساب ربح ولا خسارة. وفياً لانتمائك التغييري، بلا ندامة. فالاختيار الكبير لا يعرف الندامات. ولا التوبات. وهذا ما جعلك تخرج من كل تلك الأزمة صافياً، متجرداً من كل نية في التراجع والتنازل. حتى في اللحظات القاطعة التي خبرنا أيام الوصايات المتضاربة وصولاً الى الوصايتين السورية والإيرانية (ومنهما الإسرائيلية)، عرفت أن كل مواجهة حقيقية لا تنجز مرة واحدة وتنتهي مرة واحدة بل كل يوم تبدأ. وتبدأ (كالديموقراطية والحرية والسيادة) وهكذا كان لجلجلة جديدة أن تحمل مع رفاقك صلبانها، في مواجهة احتلالين سوري وإسرائيلي. كماشتان حديديتان أطبقتا على الوطن… حتى تلك اللحظة الحاسمة التي غزت فيها إسرائيل بيروت. وكانت المقاومة الوطنية (ونتذكر هنا الشهيد جورج حاوي والمناضل محسن ابراهيم)، وكنت من أنفاسها، وآمالها، وبسالتها، وإصرارها على طرد العدو من بيروت وكل لبنان.
هرب جنود العدو من بيروت تحت ضربات المقاومة. وكانت تلك أول هزيمة يُمنى بها هذا الجيش في بيروت. كنت أنت من تلك الصفوف، مع الصديق الكبير الياس عطالله. ثم كان لهذه المقاومة أن تعاقب لأنها قاومت. فأُعطبت، وأعطبت الثورة الفلسطينية، في حروب تل الزعتر والمخيمات والشمال. تحاصَر المقاومة المنظمة، لكن لا تحاصر المقاومة اليومية عند أهلها. صار عندنا مقاومة أخرى. عال! مشينا وراءها. كنت أنت الراصد السياسي، والفكري (وهل ننسى المناضل حكمت العيد)، والمعاند. فالذين صفوا المقاومة الوطنية، يريدون أخذ لبنان، الى وصايات أخرى. الى احتلالات أخرى. الى حروب أخرى. الى كانتونات أخرى. وكان النضال في صفوف "المستقبل" من أجل سيادة لبنان. وتحريره من القوى الخارجية التي ازدوجت بين "الشقيقة" سوريا… وإيران: فمن مرحلة الجامعة… الى مرحلة المقاومة فإلى مرحلة مواجهة الوصايتين كان نصير بكل تألقه، وشغفه، المقاتل الذي لا يستريح. وكأنما ذلك من قدره، وقسماته، وصوته، وقلبه. وكأنما كانت هذه المرحلة الجديدة لا تقل خطراً، وتآمراً، عن مراحل الغزو الإسرائيلي لبنان، الوطن، والحرية، والديموقراطية والسيادة. صودر كل شيء في لبنان. إذاً، من جديد، ومن جديد نهض نصير. ومن جديد في موقع المواجهة، والمكافح. حتى اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وقد بات نصير في عالم نضالي جديد في الصحافة. هنا النضال بالكلمة. وبالصوت. بعد السلاح. وهنا المرحلة الفاصلة: إعلان ثورة الأرز على دم الرئيس الشهيد الحريري. وكسر جدران الخوف. وتحرير الشوارع. والساحات التي كانت محرمة. ثورة سلمية جماهيرية. حلم من نوع آخر. حلم بلا "يأس". حلم في حلم. ونزلت المظاهرات المليونية. وبالحيوية نفسها التي كان ينزل نصير الى مظاهرات الجامعة اللبنانية، نزل، وكأن حياة جديدة تفتتح مساحاتها. وكان رفاق الأمس والحاضر الياس عطالله وحكمت العيد ومعهما سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وسمير فرنجية وبيار أمين الجميل ووليد عيدو في جبهة السيادة الواحدة، في الربيع اللبناني الأول. في الحلم المستحيل. كأنما، بعد جلاء القوات السورية… وتحرر الجماهير، والساحات، والحريات المفتوحة، كأنما كان نصير ومعه الملايين، يتحسّسون الحرية بأيديهم. بعيونهم. بأصواتهم… ولم يهدأ نصير! (ومين في يهدي نصير!). في دائرة الخطر من جديد. وهو عاش نضاله من خطر الى خطر. لا يستريح الى خطر، حتى يفاجئه خطر آخر: التهديد، السجن، النفي، التخوين. اجتمعت القوى المضادة، لتضرب إنجازات الانتفاضة. بسلاح حزب الله، وسلاح السوريين والإيرانيين… وعملائهم… ولعبت اللعبة الكبيرة: استعادة زمن الوصايتين. بالقتل. والترهيب، والإرهاب!
ولكن كل ذلك بدا بلا جدوى. دنسوا حرمة العاصمة باعتصام مشبوه. ثم غزوة 7 أيار الشنيعة. ثم بالالتفاف على هزائمهم الانتخابية، بافتعال حروب ونزاعات أمنية ـ طائفية! ومن جديد كان نصير مع رفاقه في عين العاصفة. ومن جديد حمل حلمه الالفي وشهره. شهر قلمه في الصحافة، وبشجاعة نادرة، وبزخم مليء، وبكتابة حية، نقدية، تحليلية، كان له ان يرصد خراب هؤلاء.. وأدوارهم.. ويفضحهم ويسفه مؤامراتهم…
ومن جديد. معركة جديدة. معركة الحرية، والسيادة والاستقلال والديموقراطية. ومن جديد نصير جديد. لم تتعبه الهزائم. ولم تستبد به "الانتصارات"، ولم تُوهن هزيمته التهديدات. فنصير هو نصير. اليف الخطر. وكأنه في ذلك شاعر الخطر. والمجازفة والمواجهة. ومجنون اللحظات الحاسمة… لكنه، وفي لحظة سحرية، كالمعجزات، وكالاساطير، تنفس نصير كمن يتنفس السماء كلها، وبسط عينيه وكأنما يبسطها على حدود الوطن العربي كله.
فما أُنجز في ثورة الأرز… ها هو يسطع في الربيع العربي. كأن نصير، ونحن وآخرين، بالآلاف راحوا يشكرون ربهم لأنه أبقاهم أحياء ليروا تلك اللحظة المذهلة: صناعة التاريخ الجديد.
بدأت الثورة في تونس، ثم في مصر، وليبيا، واليمن وصولاً الى سوريا اليوم. آه! ومن قال اننا فقدنا الأمل بالجماهير، ومن قال ان الجماهير لا تحيا في انتظاراتها، وتموت تحت معاناتها. الثورات تهز العالم العربي، والمتظاهرون بالملايين، والطغاة يتساقطون. أف! كأنما فرك نصير عينيه ليتأكد مما يراه. وما يلمسه وما يسمعه. وما يقرأه. آه! نصير كحّل عينيه، قبل رحيله، بما يملأ قلبه، وما يُريح ضميره، وما ينعش آماله. مع هذا، وعلى الرغم مما عانى، على امتداد السنوات الماضية، بقي المقاتل الذي لا يرمي سلاحه، وقلمه، وصوته، بقي نصير، على حافة الخطر الخلاق.. أراد ان تصحبه هذه المعجزات الشعبية الى آخر أيامه. الى آخر همساته. الى آخر أعماقه… الى قبره. الى يديه. الى موته الى ما بعد. والى ما قبل. وأخيراً ترجل الفارس عن حصانه، وكأنه يركب من جديد رحلة أخرى. رحلة لا يهدأ فيها، حتى في سكينته، حتى في تلك الأحوال التي يجمد فيها كل شيء.
نصير غادرنا، بكل سلاحه. بكل عدته. غادرنا، وقد هزمته الحياة هذه المرة… بعدما هزم الموت مرات. كأنها استراحة المحارب؟ لا! نصير دائماً أمامنا! في المنعطفات الخطرة! في الأحلام المستحيلة. في قلب كل ربيع قادم!