هذا مقالٌ في الحُزن، بل مقالان. لا داعي لرأب الفاصل بينهما، أو افتعال الوصلة. الصلة الوحيدة بينهما هي حجم الحزن، واتصاف الحزن في الحالتين بالطابعين الشخصيّ والعامّ. فالحزن ليس ذاك الشعور العابر أو العاطفة التي تجيء وتذهب. الحزن الحقيقيّ شيء آخر. نادر ونبيل ودائم، لا يمكنه أن يتحوّل إلى شيء "عاديّ" و"شائع".
المقالة الأولى في الحزن هي في وجهها الأوّل مقالة في النُبل. النُبل المجسّد إلى أبعد حدّ في سيرة نصير بك الأسعد، بحياته الجيّاشة والمحمومة، منذ سنّ مبكرة، بالمعارك السياسيّة كما المعارك البيولوجية. جسدٌ لا يحتمل الطاقة الكفاحية المتواصلة التي تصدر عنه، لكنه يظلّ يراوغ ويراوغ بما تيسّره له السبل، واقتداء بالحنكة التحليليّة السياسية لصاحبه، واستمتاعاً، ما زلت لا أعرف لماذا، بالدرجة الأكثر تبريداً للمكيّف.
اجتاز هذا الجسد الصعب مفاصل عدّة من تاريخ هذا البلد. بيروت 1982، بيروت 2005، بيروت 2008، بيروت المعاصرة للثورة السوريّة. وفي النهاية، "حاصَ" هذا الجسد، وخسر معركته البيولوجية الأخيرة، ليسَ من دون قتال ضار على ما يُنقل عن الأطباء، وفي وقت تستعر فيه المعركة السياسيّة الكبرى، أم معارك الحرّية في هذا الشرق، عنينا بها الثورة السوريّة المباركة، التي ناصرها نصير بك الأسعد قبل سنين وسنين من انطلاقتها، وربّما يكون من التقط فيها أكثر من سواه، عنصراً أساسيّاً من عناصر الوعي: فوجدان نصير الأسعد تحتله صورتان شخصيّتان وملحميّتان في آن، لزعيمين اثنين، يعتبرهما النظام الأسديّ البعثيّ، نظام العارّ، ألد أعدائه على الإطلاق: الرئيسان الشهيدان ياسر عرفات، ورفيق الحريري.
… آخر مرة رأيت فيها "البيك" كانت في معراب. في اللقاء الإستقلاليّ المنعقد بعد أسبوع من محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع. يومها قال نصير ما بات اليوم يتداوله القاصي والداني. سؤاله الفطن عن سبب تأخّر اللقاء أسبوعاً بعد المحاولة الغادرة، استنفر عضلات قلب كل واحد منا. بنى نصير يومها مقاربته على قاعدة أنّ سلوك الحركة الإستقلاليّة بإزاء الثورة السوريّة وتداعياتها على الداخل اللبنانيّ لا يمكن أن يكون "انتظاريّاً". كثيرون لم يفهموا ذلك، وحصروا مقصده في أنّه يدعو إلى "استنهاض الهمم" أو استعادة "حراك الشارع". كانت المسألة أكثر عمقاً من ذلك، دون رَيب. ما فهمته من كلام نصير يومها، لا يعني أنّ الموقف "الإنتظاريّ" ليس جيّداً، بل وعي انّ هذا الموقف "الإنتظاريّ" ليس بكل بساطة ممكناً، وخصوصاً بعد محاولة اغتيال الدكتور جعجع.
كان نصير الأسعد بحدّ ذاته أعظم حجّة في نضالنا ضدّ هيمنة "حزب الله"، وأيضاً ضدّ أن يؤدّي الإنقسام السياسيّ اللبنانيّ الحاد إلى تقسيم للبلد لا رجعة فيه.
كنتُ في القاهرة، أو في الإسكندرية، منهمكا بحكاية الإنتخابات التي لنا معها عودة، يوم علمت أن "البيك" دخل في وضع طبّي أكثر من حرج هذه المرّة، وأنّ "الإنسحاب التكتيكيّ" الوحيد المتاح لهذا النبيل الذي يجمع أقصى الواقعية السياسية وأقصى التصميم الثوريّ، هو بإتجاه الموت. مات بعدَ ساعات قليلة من عودتي إلى بيروت…
سأشتاق كثيراً لرؤيته في مكتبه، يتابع عالم الحيوانات في "انيميل تشانل"، أو فنون الطبخ في "فتافيت"، أو يذهب معي في الذاكرة إلى حيث أبو عمّار وأبو خالد وأبو أنيس، والسياحة الثوريّة بين الأنظمة، وخصوصاً اليمن وإثيوبيا. كنت أحبّ نموذجه، مقدار كرهي لنموذج "المثقف" الذي ينأى بنفسه عن التداخل بالسياسة كي لا يفقد بكارته، ونموذج "المثقّف" الذي حين يدخل في السياسة يطبّل لزيد أو عمر دون حسيب ولا رقيب. كم كان نصير الأسعد نقيضاً للحالتين.
هذا في النُبل.
أمّا المقالة الثانية.. ففي الحزن كعار.
مجزرة الحولة.
لا ينبغي أن ينسى أحد عندما يتملّى صور ضحاياها، أنّ من ارتكبها واستخدم السكاكين لقطع الأطفال ينتمي إلى النوع الحيويّ نفسه الذي ينتمي اليه الضحايا والذي ننتمي اليه، فهم بشر مثلنا، خاضعون للمحدّدات الأساسية نفسها التي تصنع كل واحد منا. في الوقت نفسه، المشكلة في التذكير بالهوية البشرية للقاتل بالسكين، هي أنّها تسحب الطابع البشري من القتيل الطفل. التفكير في المجزرة ينبغي أن يأخذ حيّزه متواشجاً مع السخط المعنويّ ومع السؤال السياسيّ أو العمليّ. التفكير بها، يعني التفكير في أن بشراً قتلوا بشراً آخرين باستخدام السكين، أي وسيلة يدوية على علاقة وثيقة وحميمة مع اليد، بما يجعل صلة القاتل بالمقتول حميمة، ومباشرة، فيها الحواس جميعها، اللمس، والشم، والسمع، والنظر. لم تكن ناقصة غير حاسّة الذوق. كانت تحتاج لمضغ قطع نديّة من هذا اللحم البشريّ المقطوع. القَتَلة لم يأكلوا اللحم هذه المرّة، لكن هذا اللحم الذبيح يقتحم أفواهنا ومسامّنا جميعها، كالعار.