#adsense

مرحلة السقوط..

حجم الخط

لن تفلت السلطة الأسدية من مجزرة "الحولة". تبعاتها أكبر من اللفلفة المعهودة. ودم أطفالها أثقل من حديد التطنيش الدولي المألوف منذ اندلاع الثورة السورية. هذا "النوع" من الجرائم يكسر السياسة وحساباتها، ويدفع بالمصالح إلى مرتبة متواضعة في محركات صنع القرار في تركيا ودول الغرب سواء بسواء.

صار ذلك، لمَن يتذكّر، بعد مجازر صبرا وشاتيلا. كان "الانتصار" العسكري الإسرائيلي في ذروته. وجاءت دماء الضحايا لتعيد تعديل الميزان: بدأت منذ تلك اللحظة مرحلة السقوط الإسرائيلي المريع في "وادي الدموع" اللبناني. ومَن غطّى شهور العدوان في صيف العام 1982، صار يحتاج إلى مَن يغطيه. تدحرج الحجر من مخيمات بيروت إلى دوائر القرار في واشنطن نفسها. بعد أن مرّ وحطّم "زجاج" الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، والأكثر جذرية في "وعيها" لدورها في الحرب الباردة آنذاك.

ذهبت بعيداً السلطة الأسدية في قياس متانة الخيمة التي تظلل سعيها العسكري والأمني إلى تصفية الحساب مع الثوار عليها.. وعلى طريقتها وسياستها ودأبها افترضت أنّ القتل يفرض حقائق على الأرض، وأنّ تلك تفرض معطيات التعامل معها طالما أن لا بديل ميدانياً لمواجهتها.

المدرسة ذاتها أخرجت النازي من التاريخ مهزوماً بعد أن حطّم نصف الكرة الأرضية وأودى بالملايين. والمدرسة ذاتها أخرجت مناحيم بيغن من عقله إلى ليل النسيان والأسى. ودمّرت مسعاه وحلمه التاريخي بإقامة "امتداد" في العمق اللبناني. وخلخلت الاجتماع الإسرائيلي من أساسه: انتبه العالم إلى أن "الضحية" قاتلة. بل هي من أسوأ أنواع القتلة في التاريخ. وكانت لكل ذلك تبعات وصلت إلى ذراها مع تحطّم مشروع التمدّد الخارجي لحماية "الغيتو" الداخلي، وتسويره بجغرافية من الحروب الأهلية المتناسلة والفظيعة!

المدرسة ذاتها، تلفظ تلامذة من النوع ذاته في سوريا اليوم: القتل الجماعي ما عاد ممكناً في دنيا العولمة الاقتصادية والإعلامية والسياسية. وأكبر أخطاء طغاة آخر زمن، هو استمرارهم في اعتماد قياسات سابقة لإسقاطها على الحاضر، وافتراض أنّ المصالح والسياسات أقوى من "الرأي العام". وأنّ التعبئة الذاتية، الدينية أو الطائفية أو العرقية، يمكن أن تكون درعاً واقية من لظى ردّ الفعل الخارجي.

.. قبل أن تسقط في فييتنام، سقطت الإدارات الأميركية في واشنطن وشوارع المدن الأميركية. وقبل أن تسقط في لبنان، سقطت إدارة وحكومة بيغن في شوارع تل أبيب.. وحدها سلطة ميلوسيفيتش حملت في سقوطها بعض التمايز: سقطت من الخارج، لكن التعبئة القومية الداخلية القصوى لم تمنع ذلك السقوط!

على الوتيرة ذاتها بدأت المرحلة الفعلية لسقوط السلطة الاسدية: القذائف التي مزّقت أجساد أطفال "الحولة"، تركت أيضاً تمزّقات حرزانة في المظلة الروسية الإيرانية، وإن كانت لم تشلّعها تماماً لاعتبارات كثيرة، منها ما يتصل بالمصالح التكتية والاستراتيجية، ومنها ما يتصل بطبيعة النظامين في موسكو وطهران.. ومنها ما يتصل بالأخلاق في الإجمال! لكن تلك الحسبة تختلف تماماً في تركيا ودول الغرب. وفي ذلك دعوة سريعة إلى تذكّر كوسوفو واستحضار بعض تفاصيلها: تفرّج الغرب طويلاً على بلاياها والمجازر فيها، لكنه عندما تحرّك تحت وطأة فظائع الصرب فيها، و"تململ" الرأي العام الشديد منها، كان ذلك التحرك باتجاه واحد لا عودة فيه إلى الوراء.

مثلما دَفَع بنفسه الثورة السورية إلى التمدّد والانتشار، يدفع بشار الاسد اليوم بنفسه، العالم المنقسم حول كيفية التعامل معه، إلى التوحّد لإنضاج قرار التدخل الحاسم لإسقاطه وإنقاذ شعب سوريا من مجازر مماثلة لمجزرة "الحولة".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل