كَتب الكثير والآن نكتب عنه. لا نكتب بقلمه، لا نستطيع. قلمه هو قلبه، وقلبه خانه وتوقف فكيف لنا أن نفعل، أن نخون؟ نصير الاسعد عتبي على القلب الضعيف وحزني على القلم الجريء.
بقلم التلميذ أكتب عنه. تاريخه طويل في مهنة المتاعب، فكيف تقارب تاريخاً حافلاً بالمحطات والذكريات والسطور؟ السطور. كيف نلحق بسطور تجاوزت في غالب الاوقات، حدود المحظور والممنوع والخطوط الحمر، غير ابهة بكل ما يتربّص بأصحاب القلوب الجريئة؟
ظمط منهم. من طيور الظلام ما غيرهم، فاصطاده القلب الجريح. لا اعتراض على حكم الله، لكن "اللاعتراض" لا يعني اللاحزن، اللاسف، تلك المشاعر الانسانية الرقيقة الشفافة التي تعبر بنا الى الانسان الحقيقي الدفين فينا.
قال في سمير جعجع "احترم سمير جعجع القائد الشجاع في سجنه عندما كان تحت سابع أرض الذي حوّل السجن إلى ساحة للصراع من أجل الحق والقانون والعدالة والحرية وادرك أن السبب الحقيقي لهذا الظلم هو أنّ سمير جعجع الذي إنحاز الى إتفاق الطائف وعمل من أجل تنفيذه، رفض التطبيق السوريّ لإتفاق الطائف". كلمات من ذكرى حل حزب القوات اللبنانية. وقال ما هو أهم بكثير في لقاء "14 اذار" في معراب، الذي عقد اثر محاولة اغتيال الدكتور جعجع، يومها عتب عليه كثيرا لانه رفض تحريك الشارع احتجاجا وتعبيرا عن تضامن الناس معه، عتب بقوة على قيادات "14 اذار" لانها لم تخالف تعليمات الحكيم والتزمت الهدوء في المنازل. كان حاداً صارماً ذهب الى البعيد في ارائه لناحية مواجهة الهجمة الشرسة على لبنان من قبل النظام السوري وعملائه هنا، والغريب ان الغالبية وان وافقته، لم تكن على الموجة نفسها من قرار المواجهة العالية، كان يريد التحرك السريع، وهم آثروا التروي نظرا للظروف الدقيقة. بدا وكأنه يطلق اخر خرطوشة له قبل أن يرحل، كان في غاية الحماس والاندفاع، كان يريد أن تجتاح الجماهير شوارع بيروت، ليعرف من يجب أن يعرف بأن ارادة الشعب هي التي تفرض ايقاعها على الحياة السياسية وليس ارادة السلاح. بدا وكأنه مستعجل لتحقيق الهدف وكأنه فرصته الاخيرة، هل كان يشعر برحيله؟
غريب كيف يتصرف الانسان في أيامه وساعاته الاخيرة، يعلن موته قبل أن يموت، يودّع فرصه في الحياة وهو ينبض بها، يتنبأ برحيله وهو لا يعلم انه فعل. نصير الاسعد قبل أن يخذله القلب الواهن، ودّع فرصه في الحياة، أشعل اخر سجائره، ارتشفها بنهم غير اعتيادي وكأنه يعلم انها الرشفة الاخيرة، وبقي حتى آخر الساعات يناضل. سكنته "14 آذار"، الهمته بالكثير من الشعارات والعناوين والمقالات، كان يعرف انها فرصة لبنان الاخيرة ليبقى لبنان، فناضل من أجل الفكرة السامية المشروع الكبير، فكتب وكتب وكتب… لتصبح الكلمات من جرح القلب الى جرح الارض.
جرحته البلاد، أحزنته أنهكته ولكنه لم يدخل في اليأس، قلب المؤمن يجترح الامل. مات الصحافي الكبير. بالكاد واحد وستون عاما. قليل، قليل عمر السنوات، لكن متى كان عمر الصحافي من عمر السنين؟ عمره قلمه حبره أفكاره نضاله، رائحة الصحيفة التي تشهد على القلم، قهوة الصباح التي ترتشف معه الخبر والموقف، ضجيج المطابع حين تخطّ المانشيت، نقاشات الزملاء وصراع الافكار المتناقضة التي تهبط فوق الورق الرمادي بالخط الاسود…هذا هو عمر الصحافي، هذا كان عمر نصير الاسعد الذي لم ينته بعد، انما أنهى فكرة في مقال، وضع فاصلة ثم… غيّر رأيه، فوضع نقطة ونزل الى السطر…أو الاصح، بدأ سطراً جديداً، كتب مقالا تحت عنوان: لم أمت، أعيش في ما كتبت ويبقى أن تبحثوا عني، أن تقرأوني. الامضاء، نصير الاسعد ابن ثورة الارز.
