ذبحة في القلب، أو أزمة في البلد، أو ضيق في الشرايين المقفلة بأسود الدواليب المحترقة، أو أنه الرصاص الذي صار يحكي بغير"اللبناني"، وبغير لغته… أي من الأوجاع هي التي أوهنت قلبه، وكنا نخاف عليه من مرض غير الذبحة، وكان قوياً بعد كل عارض برغم الصفرة والشحوب يقاوم لأجل أن يأتي اليوم الذي يسلم فيه الأمانة بـ"الأحمر" الذي صبغ سنوات النضال بنجاحاتها وخيباتها.
"السياسة بتوجع القلب". صحيح كان يعترف، لكنه في المقابل لم يكن يوماً ممن يجيدون المهادنة أو الاستسلام. من أيام الستينيات والثورات الشبابية في العالم، النبض نفسه بقي المحرك في كثير من المفارق الصعبة. وكان يحكي بتلك "الشرقطة" في عينيه الى الاجيال الشابة، وهم نقطة ضعفه المحببة لديه. يخبرهم عن "العصر الذهبي"، يوم انتقل من هندسة اليسوعية التي لم تحتمل تمرده الى كلية العلوم في الجامعة اللبنانية في الحدث. احتضنته الجامعة مناضلاً نصيراً للحركة الطلابية التي بقي مؤمناً بها على قاعدة أنّ الطلاب في تلك الحقبة كانوا على قدر من المسؤولية: "لم نكن حركة مسيسة، كنا حركة طالبية نقابية ساهمت في تطوير الجامعة وفي تحسين ظروفها في قيام البناء الجامعي، والمشاركة في مجالس الكليات والجامعة". وعنه يستذكر طلاب الأمس بأنهم حين ذهبوا الى كلية العلوم في الحدث في تلك الحقبة، كانوا يحملون بيدهم اسم "نصير الأسعد"، وكان في حينها نائبا لرئيس الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية والمسؤول الحزبي الذي سيلتحق به جميع القادمين الى الصرح التعليمي من أعضاء منظمة العمل الشيوعي.
النضال الطلابي بين "الجامعة اللبنانية" واعتصامات "الجامعة الأميركية" وصراعات "الجامعة اليسوعية" كان نصير يظهر دائماً ومعه أنور الفطايري والياس عطاالله وغيرهم من قادة العمل الشبابي الحزبي.
الى أيام الجامعة، بقي الحنين مشرقطا في عينيه لحياة طالبية يصفها بأنها كانت "الأرقى" في ظاهرها، موضحاً بأن الجامعة التي كانت كلياتها ومعاهدها في مبان موحدة، مؤسسة على العمل الحزبي. وكان يباهي بتلك الحركة الطالبية التي شكلت "طليعة" الحياة السياسية ومرآتها في آن. فبالديموقراطية تحسم الخلافات بانتخابات نزيهة وعادلة وبقانون ملزم حتى للفئات التي تعترض عليه. بقي يردد في تشريح حقبة جيله من اليساريين، ليس من باب النقد فحسب، وانما لتتعلم الحركات الشبابية من الاخطاء التي وقع فيها آباؤهم من المندفعين الى التغيير. كان يقرأ في اليمين واليسار: "إن جيلي ـ من اليسار آنذاك ـ كان يتملّكه وهمٌ ربما بأنه إذ يمارس نفوذاً في الحركة الطالبية وعليها إنما يحكم البلد، وبأنه إذ يستطيع أن "يحتلّ" الشارع سيقود التغيير الذي كان يسمّيه اليسار "وطنياً ديموقراطياً"، لا بل اختلفت أجنحة اليسار مع بعضها حول المصطلحات.
من جيل انتمى إلى القضية الفلسطينية وحلم بتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية وتحرير فييتنام أسس نصير الاسعد ورفاقه منظمة العمل الشيوعي من اندماج منظمة الاشتراكيين اللبنانيين وحركة لبنان الاشتراكي اللذين يرجع انتماء أغلب قادتهما إلى التيار القومي اليساري وحركة القوميين العرب. كتب في مجلة "الحرية" التي كانت تصدرها "المنظمة" والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
كانت أحلام "المنظمة" كبيرة جداً تبدأ بتحرير فلسطين وتنطلق إلى مناصرة كوبا وفييتنام وكمبوديا واليمن الجنوبي، ومن احتضان أهالي مخيم تل الزعتر إلى كمب مرعش وسيس وأحياء البؤس في الكرنتينا والنبعة إلى نقاش العدالة مع أهالي عكار والبازورية وكفرصير والبابلية والبقاع، هناك كان نصير يتنقل بين الناس عاملاً معهم، من أجل عدالة اجتماعية يحلم بها.
الآن، لا يستطيع أحد أن يغيّر في مجرى ما حدث أو أن يقول "لو كذا لحصل كذا أو لما حصل"، ليس فقط لأن كلمة "لو" لا تنفع كما يقول الآباء والأجداد، بل تماماً لأن ما حصل قد حصل. وما حصل أن جيلي ـ من اليمين واليسار – "اقتيد" الى حرب أهلية، لأن الجامعة "تلي" أحكام البلد ولو تصوّر طلابها أنهم يقودونه، وأحكام البلد كانت تقول إن الحرب الأهلية آتية لا محالة في ظل الأزمة السياسية والوطنية والاجتماعية وفي ظل الانقسام العميق.. والحرب الأهلية – من طبيعتها – تستحضر كل ما هو سيئ لأنها "قذرة" ككلّ الحروب التي يقتل فيها الإنسان".
في الحرب عمل الاسعد كتابة في مجلة "بيروت المساء" التي اصدرتها منظمة العمل الشيوعي. رفيق محسن إبراهيم وحكمت العيد. صار عضواً في المكتب السياسي للمنظمة، وانتقل بين الجزائر وأوروبا ودول العالم الاشتراكي لتأمين الدعم السياسي، وصار له في اليمن الجنوبي بيت صغير يؤويه لكثرة زياراته لذاك البلد ونقاشاته مع قيادييه وخصوصاً رئيسه عبد الفتاح اسماعيل. في الحركة الوطنية اللبنانية وبالقرب من محسن ابراهيم وكمال جنبلاط وجورج حاوي كان نصير الأسعد حاضراً لينقل ألم الناس من "التجاوزات" التي لم تكن لتحتمل، ومن الحرب التي كره صوت قذائفها.. حمل ألمه في الاجتياح الإسرائيلي وشارك مع قيادة "المنظمة" في اتخاذ قرار انشاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية إلى جانب الأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي.
الحرب الأهلية والأوضاع السيئة التي شهدها لبنان في تلك المرحلة استدعت انتقال نصير للعمل من خارج لبنان، وخصوصاً أن أهم الحلفاء صاروا خارج البلد، فأعاد ترتيب العلاقة مع القائد الفلسطيني ياسر عرفات "أبو عمار" ومع أبو جهاد وأبو اياد وغيرهم من الذين أسسوا للانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987.
انهيار المعسكر الاشتراكي في العام 1990 أعاد خلط الأوراق السياسية والفكرية؛ ونهاية الحرب الأهلية في لبنان أعادت نصير إلى بيروت ليواجه واقعاً جديداً اسمه وصاية النظام السوري على البلد. كانت منظمة العمل الشيوعي "عدو المخابرات السورية" انسحبت من العمل السياسي المباشر بعد تهديدات واغتيالات طالتها وطالت اليساريين اللبنانيين، وطالت ايضاً بالرصاص شبانها العائدين من عمليات ضد الاحتلال الاسرائيلي، وجد "البيك" أن أحلام اليسار غمسها "الرفاق" السوفيات بـ "البيروسترويكا" وصار "الماك دو" يجلس مقابل تمثال الرفيق لينين في الساحة الحمراء في موسكو، وقائد وحدة الاستطلاع السورية "المخابرات" يجلس في "البوريفاج" في بيروت يستدعي الناس ويسجنهم ويعذبهم ويخفيهم.
في التسعينيات التقى مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبدأت علاقة خاصة، صار البيك يهتم بالاعلام "المستقبلي" ويتابع الكثير من الملفات التي طلبها منه الرئيس الشهيد.
في نهاية العام 2000 "ناصر" الأسعد قيام "المنبر الديمقراطي" ولقاء "قرنة شهوان"، ودافع بكتاباته عن موقف رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في وجه هجمة الوصاية السورية، عوقب بسبب مواقفه بأن طالب عملاء المخابرات السورية بإبعاده عن "صحيفة المستقبل". يروي نصير كيف ان الرئيس الشهيد قال له اذهب إلى أي مكان تريده وأنا إلى جانبك.
انتقل نصير الاسعد للعمل في صحيفة "السفير"، وصولاً إلى يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري في مقتلة السان جورج في العام 2005، عاد قلم "البيك" إلى الصفحة الثانية من صحيفة المستقبل ليقطر غضباً. قصد الناس الذين أنهكهم القتل متضامناً وثائراً ومؤسساً الى جانب نخبة من المفكرين والسياسيين لثورة الارز التي انخرط في صفوف أمانتها. حمل في أمانته الاجابة عن سؤال المرحلة: "اذا كان القتلة يقفلون كل الابواب الا أبواب جهنم والجحيم، فأي خيار أمام المعارضة؟. وجاء جوابه في يوم تشييع الرئيس الشهيد: "في ظل التخيير بين القتل والقتل،لا مجال أمام المعارضة الا مواصلة المعركة التي بدأتها وموحدة أكثر من أي وقت سابق، والمعارضة مجبرة على النظر فضلا عن الحماية الشعبية الى الحماية من الخارج، ممن أحلّ دمها وأعطى القرار بتصفيتها".
على الرغم من المرض، بقي حصن "الثورة"، والناطق باسمها، منادياً في كل لقاء: "لنستعد البلد أولاً ثم نتصارع ديموقراطياً". وجاءت بدايات الاستعادة بالمسيرة المليونية التي رأى فيها اعادة الاعتبار الى مسار تغيير السلطة وتوازنها ووضع الحوار في نصابه الفعلي في مرحلة ما بعد الحقبة السورية. وعلى أساس تلك الحقبة الجديدة، كتب في وداع السلطة – الظل للوصاية السورية: "بعدها الباب مفتوح امام شراكة حقيقية في قيادة البلد. وعندئذ لا يعود للحديث عن الاكثرية والاقلية جدوى في حد ذاته".
وبعد كل جولة، كان "البيك" الذي أخذ على عاتقه مهمة التثقيف السياسي لكوادر شباب المستقبل، حريصاً على غربلة الاحداث بحلوها ومرها. يسلّحهم بالأمل مناشداً في آخر لقاءاته مع الشباب الجامعي: "ليس صحيحا أن ثورة 14 آذار أصبحت من الماضي، بل لا تزال ثورة معاصرة، في حين انّ التمسك بالسلاح هو الماضي الذي نشهد انهياره على مستوى المنطقة". ويصف الثورات التي انطلقت من بعدها :"انها ثورات ديموقراطية ضد الاستبداد العائلي والحزبي والامني، من أجل الحرية والتغيير والحداثة. ثورات ضد التراجع المريع في الدور والموقع العربيين"، لافتاً الى أن أهم نتيجة للثورات العربية هو أن اسرائيل ستشهد للمرة الاولى منذ العام 1948 أزمة وجود". أما عنه، عن جيله وجيلهم، ينقل لهم: "جيلي كان ذاهباً الى الحرب وبعضه ربما بـ"سعادة"، بينما جيل اليوم عائد منها وبعضه ربما "نقّاق". وغنيّ عن القول أن الحركة السياسية التي تحدث في هذه الأيام هي التي تعزّز ذلك.. لأن لا اقتتال بين اللبنانيين خلافاً لما يقوله بعض الأبواق. والسبب يقع بالضبط هنا: ان المعارضة بتياراتها وتلاوينها تمثّل باختلاطها الطائفي ضمانة السلم الأهلي، هذه هي "الحقيقة" بينما البعض يبحث عن الظُهر في الساعة الثانية من بعد الظهر كما يقول المثل الفرنسي، أي أن هذا البعض يبحث في سوسيولوجيا المعارضة، يمينها ويسارها وما بينهما في حين أن الموضوع هو في ديناميّتها.
في آخر ما كتب، كأنه أراد جردة حساب يجريها بدءاً من الانتهاكات المتمادية الى وضع أمني يتراوح بين الاضطرابات والفوضى المسلحة والحروب والهدنات الهشة. وجاء السؤال الاخير في المقال الأخير: "هل اتخذ القرار بإسقاط الدولة؟". لم ينتظر الاجابة، أو ربما خانه قلبه هذه المرة مقارناً زمن السلم الهش بزمن الحرب. وفي الأخير، على الاقل كان هناك "هيكل دولة".
بالأمس، قبل الظهر تحديداً، فقد الربيع العربي كبيراً، لكنّ النبض الذي توقف في قلبه ما زال يسري في الأوردة الناطقة بـ"حلمه". رحل في أوان الثورات معلناً ولادة جديدة.