مع نصير الأسعد كنت تشعر بالصلابة، في وضوح القناعات والحضور المميز والكلمة المعبّرة عن الشخصية التي لا تعرف المساومة ولا أنصاف الحلول.
فهو، بعدما خبر التجارب المختلفة، على مدى التحوّلات التي عرفها لبنان وشهد عليها من شهد من أهل الفكر والقلم والسياسة، اكتملت رؤيته عن ذلك الوطن الذي كان هاجسه طوال حياته.
نصير الأسعد كان مناضلاً بلا حدود، بحثاً عما شغله دائماً منذ نشاطه في الحركة الطلابية ومراكز القيادة في الحركات اليسارية، وهو التفتيش عن الحقيقة. فاجتاز كل مسالك البحث تلك وخرج سالماً، تقوده استقامة الفكر وإباء النفس وأصالة التراب الجنوبي الذي ينتمي إليه.
والتزاماً بالعدالة التي كانت رائدة، فهو نبذ أي منحى للجمود العقائدي، وقد اكتشف، بما جرّب وشهد له وخبره، أين يمكن ان تكون. فجاهر بها، كتابة وقولاً، في ذلك الصوت المرتفع الذي كان يميزه، والكلمة القاطعة والتحليل الواعي للأحداث، مستخلصاً النتائج التي تفرض نفسها.
فالمتمرد على الظلم لم يكن ليحتمل السكوت والاستسلام، وقد رفض مثل جميع الذين آمنوا بالفكرة الأصيلة عن لبنان وقيمه وثوابته وانفتاحه ودوره وضرورته، ان يتحول الى ساحة للصراع، ان تتصدع ركائز عيشه الواحد، ان تمسّ حرياته، ان يؤسر في رهانات المصالح لأقربين وأبعدين.
تلك كانت قضية نصير الأسعد، وهي التي كرّس لها طاقاته كلها، وناضل في سبيلها، في جهود التقت، بالإخلاص والأمانة والوفاء، مع رفاق سوف يفتقدون حضوره وكلمته وصوته المرتفع بالحق.