#adsense

المناضل السابق.. المناضل الأبدي

حجم الخط

جئنا من أحزاب انتهت فيما نحن نريد أن نبدأ. وخرجنا من حروب لا تنتهي، فيما نحن نحاول سلاماً لا يأتي.

من شتات "تجاربنا" المريرة، من شظايا تواريخنا الجماعية وسِيَرنا الفردية، التقينا.. لنستأنف إصرارنا على "مهنة المتاعب"، بل وإدماننا على الكلمة. نحن يتامى الصواب.

كان وعد "المستقبل" في السنة الأخيرة من القرن العشرين، أكبر من فكرة وأقوى من سياسة وأبعد من صحافة. وعد بمصالحة مع الحاضر ومراجعة للماضي وتأسيس للغد. لكن الأهم، كان وعداً بمباشرة حياة وطنية جديدة (كان اللبنانيون وما زالوا يبحثون عنها) تتجاوز ذاكرة الحرب، وتنبذ أيديولوجيات الإحتراب وتقطع مع اللغات الخشبية والحديدية والزئبقية. وكان علينا أن نعمل من أجل ذلك: أن ندخن كثيراً، أن نسهر في المكاتب، ونفكر بصوت عالٍ، ونساجل بأعصابنا، ونصرخ من شراييننا، ونتعب بقلوبنا، ونأكل على رؤوس أصابعنا، وننام على الكنبة، ونخاطر بدمنا، ونفتش عن الكلمة الحقيقية، ونشرب فناجين قهوة لانهائية، ونستثمر غضبنا ونروّض كوابيسنا ونترجم أحلامنا.

وكان نصير الأسعد كل هذا، الأشد تطرفاً في هذه المهمة، الأكثر تورطاً بيننا في هذه الأشغال الشاقة، كان عليه أن يبتكر بقلمه ليس "رأي" جريدة المستقبل، بل "خطاباً" سياسياً لم يكن ليبوح به حتى ذلك الحين الرئيس رفيق الحريري، ولا يتهاون معه "نظام الوصاية" ولا يتقبله شارع سياسي ما زال مشدوداً الى أحقاد الماضي، ولا يتفهمه اليساريون ولا يأخذه اليمينيون ولا يتحمله الطائفيون.

كان نصير الأسعد، مع هذه المخاطرة، وبجرأة تقارب التهور، يتقدم في القول والرأي، كواحد من الذين كانوا يصوغون ما بين عامي 1999 و2000 المانيفستو السياسي أو المرجعية الأخلاقية والفكرية لهذا التلاقي اللبناني العابر للطوائف وللأحزاب وللخنادق القديمة. التلاقي الذي ظهر في "مصالحة الجبل" وفي التفاهم العميق بين الرئيس رفيق الحريري والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير والزعيم وليد جنبلاط، ثم في الحوار الأشبه بالمراجعة التاريخية مع حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب والتيار الوطني الحر (بنسخته الأصلية). ثم بعد ذلك سيتشكل المشهد الكبير، من تجمع قرنة شهوان الى السينودس الخاص بلبنان الى إرادة إعادة البناء والإعمار. فيرفع المسلمون شعار "لبنان بلد نهائي" ويرفع المسيحيون شعار "لبنان بلد الرسالة".

من ضمير هذا "المشهد" ستظهر لأول مرة منذ العام 1975، المعارضة الديموقراطية اللبنانية، حركة الاستقلال الوطني، أو الوعد الكبير باستعادة لبنان. هكذا ما عاد نصير الأسعد ولا رفاقه، يتامى الصواب.

منذ العام 2005، وبعد أن ظن نصير الأسعد أنه "مناضل سابق"، عاد ليكون مجدداً "المناضل"، في ساحة التظاهرات، في المقالة، في العمل السياسي المباشر، وفي يقظته وفي نومه. كان هو "عاصفة" كل اجتماع، "صرخة" كل إعتصام.. غضب حيّ في كل عبارة، مع قلب نقي. كان عدواً للتسويات والتنازلات، نصيراً عنيداً للوضوح. الأشد انتقاداً لـ14 آذار والأكثر إخلاصاً لها في الوقت نفسه. ليبرالي الروح، يساري الضمير، لبناني الهوية، عربي الهوى.

كم مرّة قبض على مسوّدة بيان باهت وجعله كتلة مشتعلة، كم مرة قلب طاولة اجتماع ناعس وألهبه بصفاء موقفه، كم مرّة كان سخطه وعناده بوصلة توهاننا، كم مرّة كانت مقالته رأياً أخيراً نهتدي إليه.

ما كان يذهلنا فيه هو جمعه الصعب بين كآبته الشخصية الدائمة، وتفاؤله الثوري المستمر. وربما كان هذا ما يستنزف قلبه وشرايينه، بلا هوادة ولا راحة.

خسرنا نصير الأسعد، خسر "تيار المستقبل" موجة عاتية، خسرت "14 آذار" ثوريّها، خسرت الصحافة اللبنانية شوكتها.

ويخيل إلينا أنه هناك، ما بعد الموت، يستمر في نضاله.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل