"لم نتفق على ذلك، لقد أخلّ أبي، كما أنت، بما وعدتما. طمأنتني في المستشفى باسمك وباسمه، انّ نصير سيخرج منتصراً من أزمته، سيتخطى محنته، وأنّ عضلة قلبه الكبير لن تخذله، ولن تكون معضلة أمام بقائه بيننا. ماذا حصل؟!".. لا جواب.
هكذا "عاتبني" وائل نصير الأسعد، فور وصولي إلى منزل والده "البيك" المثقل بالأحزان.. انحنيت خجلاً، لتمر لحظة صمت رهيبة، لم تقطعها إلا ضمّة، لم تفلح في العزاء، فربّت على كتفي.. "مسامحاً".
لا عزاء مع "البيك" من دون تكلّف، فهو عجينة خاصة من الرجال، وحالة استثنائية في عاديتها، باهرة في طبيعتها، موغلة في أوجاعها الكامنة وهواجسها الوطنية، وتوجساتها الشخصية.. وفي نكهتها اللمّاحة الظريفة المنقطعة "النصير".
لا عزاء مع البيك، الذي يحظى بلقب ملتبس وغريب بعض الشيء، حتى يخال معه انه ذاك "البيك الشعبي" الثائر على إقطاع اجتماعي، خارج من "عامية انطلياس" ليلحق بركب "العوام".
"باكوية" تُصرف وتُعاش حصرياً في العنفوان والمكابرة و"الأكابرية" المتكئة على فقر متدرج صعوداً ونزولاً، تمكَّن من النيل منه ربما في الشكل وليس في المضمون، وكان في حياته "البيك" وفي مماته "البيك".
لا عزاء مع "بيك" انفطر على ربيع ثورة داخلية قبل أن يبشّر بربيع بيروت ولبنان وسوريا. أراد حياته المكثفة فصولاً سريعة تسابق رحيله المبكر في زمن لم يأمن له يوماً، فراح يعيش سنته وكأنها عشرٌ، وكان له ما أراد.
بُعيد أيام من ذكرى 7 أيار "وليلة الأنس" في 9 أيار، كما يحلو للبيك أن يسمّيها تحبباً وترفعاً، تأتي الليلة الظلماء التي افتقدناك.