يتيماً بلا "نصيري"، نصير الأسعد.
يحزّ في قلبي، كما لو أنها "ذبحة" من "ذبحات" جعلته يرحل عنا، أنني كنت شديد الشوق لمجالسته قبل مرضه بأيام، كما اعتدت والزميل أيمن شروف، منذ كنا نجالسه لساعات في جريدة "المستقبل". اتصلنا بمكتبه في مبنى "تيار المستقبل"، لم يكن قد وصل بعد، انتظرنا قدومه، لكنني اضُطررت للذهاب، على أن أزوره لاحقاً، فإذ بالقدر يشاء أن أزوره، بعد أيام، في مستشفى الجامعة الأميركية، من دون أن أجالسه.. ممنوعٌ من الدخول إلى غرفته، للتعبير عن مدى اشتياقي له، أو لرؤيته يصارع الموت.
عرفت "نصيري" لأول مرة، في العام 2006، حين زرته برفقة الزميلة هبة نصر لأخذ بركته قبل أن أبدأ تدريبي في الجريدة. بعد أسبوعين، دُخلت عليه، وبيدي مقال انتقد فيه "حزب الله" ومواقف أمينه العام السيد حسن نصر الله بعد عدوان تموز. وضعته على طاولته متمنياً أن يقرأه ويرى ما إذا كان صالحاً للنشر. رحت أنتظر أن ينهي كتابة مقاله، وما إن انتهى استدعاني إلى مكتبه قائلاً :"يبدو أنك بلا تهذيب"، ثم صمت ونظر إلى الأوراق بين يديه، وتركني للحظات أسير تفكيري "سيقول لي إرحل، ما إلك خبز بالصحافة"، لكنه سرعان ما ابتسم حين لاحظ ارتباكي وقال :"حاولت قدر المستطاع تهذيب ما تضمنه المقال، ولكن اعترف أني عجزت، وعلى الرغم من ذلك، سأنشره". أدركت في حينه، أنني بين أيدٍ أمينة، بين يدي "البيك" الذي أدين له بأن أصبحت صحافياً.
كنت قليل الإحتكاك به في بداية عملي، قبل أن تصبح مجالسته "خبزي اليومي"، ما إن باشرت العمل في القسم السياسي بعد أحداث 7 أيار 2008. لا أنسى كم كنت قريباً منه في خلالها، وقد كنت إلى جانبه أنا والزملاء قاسم، نبيل، أيمن وعمر، حين هاجمنا المسلحون في الجريدة. آنذاك، تعرفت على "نصيري" مرة ثانيةً، أباً لا يهمه سوى حمايتنا، حماية أبنائه، في موقف حافظ فيه على تماسكه وروح النكتة رغم إرهاقه، ورغم الرصاص الذي كان ينهال علينا من كل حدب وصوب.
ولا أنسى حين كنا ننتظر إصدار الجريدة بعد إحراقها، فإذ بنصير لا نعرفه، يُطل بعد يومين من الإنتظار، ليحتضننا فرداً فرداً، كما لو أنه "الوداع الأخير"، ويتحدث بصوت خافت بأننا لن نصدر الجريدة، ومن يستطيع الوصول إلى منزله، فليذهب ويكن إلى جانب عائلته، ومَنْ طريقه محفوف بالخطر، فليبقَ إلى حين يزول الخطر، إذا زال.
وعرفت "نصيري" مرةً ثالثة، حين استباحت "القمصان السود" البلاد، وتم الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري، وكنا كصحافيين مهددين، وبخاصة من كان يسمينا بـ"الزعران الثلاثة"، ممن صدرت بحقنا مذكرات توقيف سورية في قضية "الشهود الزور"، أنا وأيمن وعمر. لا أنسى، كم كان قلقاً علينا، ويحمل همنا، ويطلب منا الحيطة والحذر في تنقلاتنا، ويعتبر أنه مسؤول عن قضيتنا، وإن كان غادر الجريدة إلى مهمته الجديدة في "تيار المستقبل" منسقاً للتثقيف السياسي وإعداد الكوادر.
وعرفت "نصيري" مرةً رابعة، بعيداً عن كوني صحافياً تتلمذت على يديه، فقد رشحني، من جملة من رشحوني، لأن أكون مسؤولاً للإعلام في قطاع الشباب في "تيار المستقبل". وهناك عرفته نصيراً للشباب، ممن كانوا هاجسه الدائم، وكان هو مرجعيتهم، بحيث أعطاهم من وقته الكثير من دون أن يسأل، وشارك في كل نشاطاتهم، إن في البقاع وعكار وصيدا وطرابلس، ولطالما كان يقول لهم :"معكم، لا يهمني إن جلست لساعات، أشعر بأنني شيخ الشباب".
"نصيري" رحل، لكنه ترك لي، بما تعلمته منه، ما يكفي ويزيد كي أمضي في مسيرة مهنية كان يراها تكراراً لمسيرته، لدرجة أن صارح كثيرين بأنه يرى أنني "خليفته"، لكني على ثقة، بأن "نصيري" لن يتكرر، وبأنني سأجهد كي أكون كما كان يتمنى أن يراني قبل أن يرحل.