#adsense

بكّرت في الرحيل

حجم الخط

ما كنت أحسب أنّ قامتك الجميلة آيلة إلى ذلك الضمور المبكر. وما كنتُ أحسب أنّ الألم في حالة الغياب، تتويج لا يُضاهى لقانون الفناء، سيّد القوانين وأوّلها وآخرها.. بكّرت في الرحيل يا صاحبي!

كأنّك في ذلك، ترفض أن يعتب عليك الغيَّاب من قبلك. وأوّلهم كبيرهم الدائم، الحاضر بيننا كما الصبح كل يوم، وكما العاديات التي لا تفنى. كأنّك بذلك تقدّم بيان اعتذار إليه وإلى مَن سبقك عن سنوات أتتك وغافلتهم، وعمرٌ حضر إليك بعد أن تركهم. وكأنّك بذلك تستفتي القلوب، بعد أن أتعب قلبك كل ذلك الحزن والأسى الذي لا تحتمله جبال، ولا تضمّه بحار على وسعها.

كنت تنتظرني كل يوم، أقرأ عليك وتقرأ عليّ. أحكي إليك وتحكي إليّ. وتخبرني وأخبرك عن كبيرنا الذي لم يغب عن البال ولا مرّة واحدة، أو يوم واحد، أو غفلة واحدة منذ أن تركنا في ذلك الشباط مرمياً على قارعة الغدر، معلناً بدمه قيامة وطن قعد كثيراً، وفاتحاً بروحه فضاء من الحرية، لا تحدّه ريح العسس، ولا تلوّنه بغبارها آلة الطغيان والاستبداد الأرعن.

كأنّ في ذلك الاستذكار أكثر من إعادة إحياء شريط ماضٍ. وأكثر بقليل من ذلك الحنين الآسر إلى ذلك الجبل البشري. كأنّ فيه اعتذاراً خفياً من ارتكاب فعل الحياة بعد كل ذلك الموت! اليوم عرفت ذلك يا صاحبي، وانتبهت إلى أنّك في مكان ما، وفكرة ما، وظاهرة سياسية ما، كنت تأخذ زاد يومك من أمسك. تتذكّر كي تقوى على الاستمرار. وتستلهم كي يبقى الصحّ هو الهدف والرجاء. وتعيد شريط الماضي، كي يبقى الحاضر أساساً لمستقبل يحاكي الطموحات العظيمات.

ولا أخفيك: عتبي عليك صنو دمعي. تغيب في لحظة الحضور ولا تعتذر من أحد، فيما كنّا معاً، ننتظر عند أبواب الحق شيئاً من عدالة لا بد منها. ننتصر على الطغيان، ونغني موّالاً شجياً لرفيق الحريري وثورة الأرز.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل