#adsense

نصير أو لا نصير

حجم الخط

من الناس من يولد ويترعرع في حاضنة الهم العام، وبعض من هؤلاء يمتزج فيهم العام بالخاص، فتراهم بسلوكهم الشخصي وأدائهم السياسي واحداً لا يتجزأ، كأنه في طعامه وشرابه، في صحوه ومنامه، أداة النضال وآلته المسخّرة لإعطاء المردود الأعلى بالكلفة الأدنى، لذلك كان نصير بنية معتلّة وروحاً وثّابة يستمد شجاعته الهادئة من ثبات الرأي، فيعرض جسده المهيض لما لا طاقة له به، ورغم هذا فإنه لا يئن ولا يمتعض، بل يشهر بوجه الألم سخرية مدهشة، ويستعين على فظاظة وسماجة بعض أهل السياسة بمقدرة فائقة على تقليدهم الكاريكاتوري بالصوت والحركة، فينتزع الضحك من الأعماق، فيما أعماقه مسكونة بمأساة القضية التي يؤمن بها.

ليلة السابع من أيار، هاتفته مستفسراً عن الوضع المتأزم، وعن وضعه الشخصي، فأجابني أن كل ما يحيط به ينذر بالسوء، وأنه يتوقع اقتحام مبنى الجريدة، فلما أشرت عليه بمغادرتها أجابني بكلمة استنكارية "ولو!!!".
بعد ذلك راح يشرح ما تعرّض له وزملاءه من إطلاق رصاص وحرائق، وتحقيق فظ من قبل قائد القوة المكلفة بإنقاذهم كأنه يروي نادرة من نوادره الفكهة.

كنت كلما كتبت مقالاً، أرسله إليه فيوليه عناية الصديق المحب، وكنا نتبادل الرأي فألمس منه أنه لم ينكر يساره لمصلحة يمينه، وأن موقفه الراهن ليس نتيجة انقلابه على فكره وتاريخه ونضاله، بل هو تموضع طبيعي في المكان الذي اختارته جموع الناس في 14 آذار.

كان نصير يسترشد بنبض المواطنين الذين ساءتهم فترة القمع والإلغاء الطويلة، وكان يحس بأنه لم تنطل عليهم قصائد الصمود والتصدي، فيما آلة الصمود والتصدي المفترضة، أي الشعب، يجري تدجينها وتحييدها وإذلالها، وعزلها عن البحث في مصالحها الوطنية والحياتية.

لقد قرر ان يناضل من أجل الدولة المفقودة، ورأى ان مقولات المقاومة والممانعة وإنصاف الشرائح الكادحة والمظلومة، أمور لا تجد سوانحها إلا في كنف الدولة على حد تعبير نسيب لحود، رحمه الله وطيب ثراه وذكراه، لذلك كان في مسيرته الأخيرة متصالحا مع نفسه، ومع مسيرته الأولى، لانه عندما كان يلتفت حوله، يجد كثيراً من رفاقه القدامى، من أبطال المقاومة الوطنية، واصحاب الأقلام المنيرة، فكان يشتد أزره بهم، ويشتد أزرهم بصلابته وقوة حجته، ولكنته المحببة عندما يميل به الحال الى السخرية اللطيفة.

كان مولعاً بعائلته الصغيرة، ولكنه ربما كان متعسفاً عندما دمج همومها ومصالحها بهموم عائلته الكبيرة، فكانت الأولى تأخذ من عنايته نصيبها كجزء من كل، اعتقاداً منه أن أولادنا لن يجدوا ظروفاً أحسن من ظروفنا من خلال الحلول الفردية، بل بالحل العام المفضي الى دولة عادلة حديثة يتوافر فيها الأمان وفرص العمل، من خلال نظام ديموقراطي حر، أمين لعروبته من غير التحاق أو امحاق أو تزوير مفضوح لمعاني الشعارات، فالحرية لا يجسدها الاستعباد ولا الاستبداد، والاشتراكية ليست الإمعان في إفقار المحكومين، والتمادي في ثراء الحكام وانسبائهم وأصحاب الحظوة، ممن يتشدقون بالوحدة، وقد كانوا في أصل الانفصال، كما كانوا البؤرة الخبيثة التي تترعرع فيها المذهبية والطائفية والنزوع الانشقاقي المرضي المستشري في النسيج الشعبي الذي كان في يوم ما، آية في الائتلاف والتوافق.

كان دؤوباً لا يكلّ، يستنزف ساعاته الأخيرة ودقائقه التي كان يحس أنها معدودة ويسكبها رغبة وشغفاً وكرماً في وعاء السياسة التي آمن بها، وذلك منذ يساره الأول حتى اندماجه المستفحل بالبحث عن "مستقبل" تستحقه أجيالنا الجديدة، كما يستحقه جيلنا الذاوي تعويضاً عن شباب افترسته الحرب، علّنا في رمقنا الأخير نرى سلاماً لم يره نصير رغم ما بذله من أجله.
كأني به في وداعه لنا يترك لنا وصية ثمينة مستوحاة من شكسبير
"نصير..أو.. لا نصير"

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل