#adsense

أن تكون نصيراً

حجم الخط

 يداخلك، فجأة، شعور بأنك عشت اللحظة نفسها بطريقة مختلفة، يوم كانت الشرطة تهاجم الرفاق وأنت منهم، فيتذرر الجمع، كل في اتجاه، قبل أن يعودوا للتجمع، فيتجدد الكر والفر، في شارع الحمراء أحيانا، ومحيط قصر الأونيسكو، أكثر الأحيان.

لكن للعمر شرطة أخرى، ليست بقامات عناصر الفرقة 16، وليست بأبوة العقيد بوجي، الذي كان يسعى باستمرار إلى إقناعنا بأن نفضّ التجمعات. شرطة تدهمنا فجأة بعد أن تتسلل إلى تحت المسام، يغطيها الإنشغال بالغد، كما كان حالها عند نصير الأسعد. هي مآلات العمر، يحملها إلى الأجساد تناوب القهر والنصر، واقتراب الأمل وابتعاده، وفوق كل ذلك إصرار ليس على أن الغد سيكون أفضل، بل يجب أن يكون كذلك. وينصرها علينا تجاهلها والإنشداد عنها إلى أحلام لا تشيخ، ولا تترك صاحبها يتنبه إلى أن الموقف مقاومة، لكن ليس في ما يخص الصحة.

شرطة لا تفر منها، بل تنصاع. وتقتادك إلى حيث يدري الرفاق، والآخرون، ولا يعرفون متى سيتبعون. فالسبحة إذ تكر، لا يسهل إعادة جمعها. بل يستحيل.
ليس نصير أول من طوى صفحته. بَصمَته عليها هي بصمة جيل بكامله، أو أغلب أبنائه: معاند في ما يؤمن بتبصر، محاور بلا مساومة، وبلا إسقاط لحق التمايز. إن اختلف مع طرف لا يعاديه، وإن اقترب منه لا يلتصق به. هو البك المتواضع، حتى الإنطواء على الذات، والمتباسط الى حد الشفافية. أصيل في محبته. يجافي ولا يكره. صنعته الهزء بالهموم، وكتم جمرها، فتحرق ولا تشد نيرانها أنظار الصديق قبل الخصم.

نصير من عناوين جيل خلط الأحلام بالأوهام، واتسع أفقه لكل أزمات أهل الأرض. من فلسطين إلى فيتنام، ومن ماوتسي تونغ في الصين إلى التوباماروس في الأوروغواي، وبين هذه وتلك ثوار ظفار، وماركسيو عدن.
كان لبنان لهذا الجيل قاعدة لاستعادة فلسطين. وكان الأمل على مرمى اليد، وهْما وحلما. وكانت القضية القومية، جزءا من الصراع الدولي، وكان خيار الانحياز فيه واضحا. وكان الوطن في ضواحي الإهتمامات وليس لبها، إلى أن كان اتفاق أوسلو الفلسطيني – الاسرائيلي، نتيجة أول حوار مباشر بين الطرفين، ونص على إقامة حكومة انتقالية فلسطينية ومجلس تشريعي منتخب، في الضفة والقطاع .

كان الحدث الذي أيقظه إلى "لبنان أولا"، كما نقل إلي، بعدما روى له أبو خالد (محسن ابرهيم) خلفيات الحماسة الفلسطينية للإتفاق. ومذذاك لم يقصر في ترجمة إيمانه، بالنصوص والأفكار والمبادرات ووصل الخطوط، بين خصوم الأمس والمتباعدين من الحلفاء.

غادر نصير مقيما على إيمان وطني لا يقايض، ومبادئ لم يقنعه إغراء ببدلها، حتى يوم تكوكبت عليه غدرات الزمان. لكن هل يغادر من غزا بالتواضع والمحبة صدور الآخرين؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل