الأربعاء الأوّل من زمن العنصرة
قراءة من مار يعقوب السّروجيّ (+521) برجُ بابلَ وعلِّيَّةُ صهيون (نشيد أَحد العنصرة)
أَقولُ الآنَ في البابليّينّ والتَّلاميذ، في بلبلةِ أَلسنتهِم وتقسيمِها. إِنطبقتْ قصّةُ برجِ بابلَ على الَّذينَ في العلّيَّة، لتكونَ كلامًا مملوءًا حقًّا لمن يُصغي إِليه.
فإِنَّ بطرسَ نفسَهُ دعا جوقَ الرُّسلِ الحبيبَ "الكنيسةَ المختارةَ الَّتي في بابل". سمعَ الألسنةَ الَّتي كانوا ينطقونَ بها ويُفيضونَ في الكنيسة، فسمَّى الكنيسةَ بابلَ حيثُ تقسّمتِ الألسنَة.
"تُسلِّمُ عليكمُ الكنيسةُ المختارةُ الَّتي في بابل"، كأَنَّهُ يقول: تلكَ الَّتي تترنَّمُ بجميعِ الألسنَة. الَّتي تعلّمتِ الكتابَ الجديدَ بغيرِ قراءة، وهي ممتلئةٌ غنيَّةٌ بٱلمدافعينَ بلا مُعلِّمين.
أَلَّتي تعرفُ النُّطقَ بجميعِ الأَلسنَة، وهي تُشبهُ بابلَ بٱلأصواتِ والكلماتِ والألسنَة. ذٰلكمْ جوقُ التَّلاميذ، ولم يتعلَّم، راحَ يُغنِّي المجدَ كلَّ يومٍ بأَلسنَةٍ جديدة.
رأَى بطرسُ التَّلاميذَ ونُطقهُم بٱلأَلسنَة، ورأَى جماعتَهم فدعاها بابل. لأَخلطنَّ، إِن ٱستطعتُ، أَنا أَيضًا في مَقالي، هاتَينِ البابِلَينِ، فأَكرزَ بغنى أَلسنتهما.
أَقولُ الآنَ في العلِّيَّةِ الَّتي بأَرضِ يهوذَا، لأَنَّها بقصَّتها هي أَيضًا بابلُ: صعدَ ربُّنا إِلى مقرِّهِ الرَّفيعِ وعادَ التَّلاميذُ فٱجتمعوا في العلّيَّةِ، وهم مرتعدون.
عوى الصَّالبونَ الذَّئابَ على خرافِ اﮕبن، فهرعَ الحُملانُ الرُّسلُ بعضهم إِلى بعض. إِرتفعَ النَّسرُ إِلى العُلى وعادَ أَفراخُهُ فٱجتمعوا في عُشٍّ واحدٍ ينتظرونَهُ.
ينتظرونَ الموهبةَ الَّتي وعدَ أَن يُرسلَها متَى صعدَ إِلى مُرسلِهِ. يترقَّبونَ الرُّوحَ يأَتي من لدنِ الآب، فيُنيرهُم ويعلِّمُهم قصَّةَ ابن.
الرّسالة: رسل 2: 40-47
40 وكانَ يناشدهم بأقوالٍ أخرى كثيرة، ويحثّهم قائلا: "تخلّصوا من هٰذا الجيلِ الملتوي!".
41 فقبلوا كلامهُ، وٱعتمدوا، وٱنضمّ في ذٰلكَ اليومِ نحوُ ثلاثةِ آلافِ نفس.
حياة الكنيسة الأولى
42 وكانوا مواظبينَ على تعليمِ الرّسل، والمشاركة، وكسرِالخبز، والصّلوات.
43 وٱستولى الخوفُ على كلّ نفسٍ، لأنّ عجائبَ وآياتٍ كثيرةً كانتْ تجري على أيدي الرّسل.
44 وكانَ المؤمنونَ كلّهم متّحدينَ معًا، وكانوا يتشاركونَ في كلّ شيء،
45 فيبيعونَ أملاكهم ومقتنياتهم، ويوزّعونَ ثمنها على الجميع، بحسبِ حاجةِ كلّ منهم.
46 وكانوا كلّ يومٍ يلازمونَ الهيكلَ بنفسٍ واحدة، ويكسرونَ الخبزَ في كلّ بيتٍ من بيوتهم، ويتناولونَ الطّعامَ بابتهاجٍ وسلامةِ قلب،
47 ويسبّحونَ الله، وينالونَ حظوةً لدى الشّعبِ كلّه. وكانَ الرّبّ يضمُّ معًا كلّ يوم، أولٰئكَ الّذينَ يخلصون.
شرح آيات الرّسالة:
40 تث 32/5؛ مز 78/8؛ فل 2/15؛ متّى 17/17؛ لو9/41.
41 رسل2/47؛ 4/4؛ 5/14؛ 6/7؛ 11/21، 24؛ 21/20.
ثلاثة ألاف نفس: يشدّد لوقا على تزايد عدد المسيحيّين المطَّرِد (رسل 2/47؛ 4/4؛ 5/14؛ 6/1، 7؛ 9/31؛ 11/21، 24؛ 16/5)، وٱنتشار كلمة الله عن طريق البشارة (12/24؛ 13/48-49؛ 19/20).
42-47 حياة الكنيسة الأولى: هٰذا أحد ملخّصات ثلاثة واردة في أعمال الرّسل (2/42-47؛ 4/32-35؛ 5/12-16). تتشابه هٰذه الملخّصات محتوى وفنًّا أَدبيًّا، أمّا الملخَّص الأوّل هٰذا فيشدّد على الحياة الرّوحيّة المشتركة (42، 44، 46، 47)، ويُوجِزُ معجزات الرّسل (43)، وتقاسُمَ المؤمنين الأملاكَ والمقتَنيات (45).
42 رسل 2/46؛ 20/7، 11؛ 27/35؛ لو 24/30، 35.
تعليم الرّسل والمشاركة: هما العنصران الأساسيّان في تكوين الجماعة المسيحيّة الأولى: تعليم الرّسل شهادة ليسوع القائم من الموت، وشرح كتب العهد القديم، وإعلان عظائم الله من خلال حياة يسوع الشّخصيّة، كما نرى في خطاب بطرس (رسل 2/14-36). أمّا المشاركة فوحدة روحيّة مصدرها روح المسيح القائم من الموت (غل 2/9؛ ف 6؛ 1 يو1/3، 6، 7)، ومشاركة مادّيّة فعليّة بين الغنيّ والفقير (رسل 2/44-45؛ 4/31-35؛ روم 15/26؛ 2 قور 8/4؛ 9/13؛ فل 1/5).
كسر الخبز: كان يعني هٰذا التّعبير، عند اليهود، الطّعام، إذ كان رئيس المائدة يبارك الخبز، ثمّ يكسره ويوزّعه (رسل 2/46؛ 20/7؛ 27/35؛ متى 14/19؛ 15/36؛ 26/26؛ لو24/30-35). وكان المسيحيّون الأوَّلون يتناولون الطّعام إِحياءً لذكرى المسيح القائم من الموت (1/4؛ 10/41)، وٱحتفالا بالإفخارستيّا، فأصبح "كسر الخبز" يعني سرّ الإفخرستيّا نفسه (1 قور 10/16؛ 11/24؛ لو 22/19-20؛ 24/30، 35). لم يكن المؤمنون يحتفلون بسرّ الإفخارستيّا في الهيكل، بل في أحد البيوت، ولم يكن كسر الخبز الإفخرستيّ مفصولًا عن الطّعام (1 قور 11/20-34)، وفُصِل تدريجيًّا مع الزّمن تلافيًا لتجاوزات.
الصّلوات: كان لليهود صلوات، لدى تناول الطّعام، وقد ٱستعمل المسيحيّون الأوَّلون بعضَها، وزادوا عليها الدّعاءَ اسم الرّبّ يسوع. وكان لليهود صلوات أخرى يتلونها في الهيكل، وفي المجامع، وقد ٱستعمل آل قمران هٰذه الصّلوات في ٱجتماعاتهم اللّيتورجيّة، وٱستعملتها الجماعة المسيحيّة الأولى برئاسة الرّسل، ثمّ زيدت عليها صلوات مسيحيّة جديدة (رسل 1/24؛ 4/24-30؛ 6/4؛ 7/59-60).
43 رسل 5/5، 11؛ 19/17؛ 5/12.
ٱستولى الخوف على كلّ نفس: كانت آيات يسوع تُحدث خوفًا في النّفوس (لو 5/26؛ 8/37؛ مر 10/32)، ومثلَها فعلت آيات الرّسل (3/10؛ 5/5، 11؛ 19/17). هي خَشية ودهشة أمام قدرة الله وقداسته، وقد شدّد لوقا على هٰذا الخوف في الإنجيل والأعمال (لو 1/29-30، 65؛ 2/9-10؛ 4/36؛ 5/8-10، 26؛ 7/16؛ 8/25، 33-37، 56؛ 9/34، 43؛ 24/37؛ رسل 2/43؛ 3/10؛ 5/5، 11؛ 10/4؛ 19/17).
44 رسل 4/32.
وكان المؤمنون كلّهم متّحدين معًا: يشدّد كتاب أعمال الرّسل على وحدة الجماعة المسيحيّة الأولى في أورشليم (2/1): ٱتّفاق في الرّأي (2/46؛ 4/24؛ 5/12؛ 15/25)، ومشاركة روحيّة (2/42)، ومادّيّة (4/32؛ 9/36)، حتّى أصبحت هٰذه الوحدة مثالا لجميع الكنائس (11/29).
المؤمنون: ٱسم آخر للمسيحيّين (4/32؛ 18/27؛ 19/18؛ 21/20). ٱستُعمل هٰذا اسم منذ البدء (1 تس 1/7؛ 2/10)، وهو يُظهر خطورة الإيمان في نظر المسيحيّين الأوّلين.
45 رسل 4/34-35.
46 لو 24/53؛ رسل 5/12؛ 2/42
يلازمون الهيكل: ليشاركوا في الصّلاة، ويستمعوا إلى تعاليم الرّسل وتبشيرهم الشّعب بكلمة الإنجيل (3/1؛ 5/12، 20-21، 42).
بٱبتهاج: الفرح ثمرة الإيمان بالبشرى (8/8، 39؛ 13/48، 52؛ 16/34).
48 رسل4/21، 33؛ 5/13؛ رسل 2/41؛ 4/4؛ 5/14؛ 6/7؛ 11/21، 24؛ 21/20.
يضمّ معًا: يشدّد لوقا على تزايد جماعة المؤمنين: من مئة وعشرين (1/15)، إلى ثلاثة آلاف (2/41)، إلى خمسة آلاف (4/4)، إلى عشرات الألوف (21/20). يقارن لوقا، في أعمال الرّسل، بين نموّ الكنيسة ونموّ يسوع (لو 2/52).
الّذين يخلصون: المخلَّص كلُّ من صار عضوًا في جماعة المؤمنين، داعيًا ٱسم الرّبّ يسوع (2/21؛ 13/48). والجماعة المسيحيّة هي البقيّة الباقية المؤمنة من شعب الله القديم، وفيها قد تمّ الخلاص.
الإنجيل
يو 7: 37-39
يسوع يُعطي الماء الحيّ
37 وفي آخر أيّام العيد وأعظَمِها، وقفَ يسوع وهتَفَ قائلا: "إنْ عَطِشَ أحدٌ فليأتِ إليَّ.
38 والمؤمِنُ بي فليشْرَب، كما قال الكتاب: مِن جوفِهِ تتدفَّق أنهارُ ماءٍ حي".
39 قال هٰذا عن الرّوح الّذّي كان المؤمنون به مُزمِعِين أن يقبلوه.
شرح آيات الإنجيل:
37-39 إن عطش أحد فليأت إليّ… من جوفه: قراءة ثانية "إن عطش أحد فليأت إليّ. المؤمن بي فليشرب، كما قال الكتاب: من جوفه…".
في القراءة الأولى تجري أنهار ماء الحياة من المسيح أو من المؤمن. أمّا القراءة الثّانية فتجري الأنهار من المؤمن وحده. ويختار أكثر الشّرّاح القراءة الأولى:
لأنّها تحافظ على سلامة التّركيب اللّغويّ واللاهوتيّ، إذ التّعبير "أتى إلى يسوع" يعني "آمن به"، فٱلعطشان يأتي إلى يسوع، يؤمن به، فيُروي يسوع عطشه؛ ولأنّ الآية 39 تشرح الآيتين 37 و38، فالماء الّذي يشربه المؤمن من يسوع (37-38) هو الرّوح القدس، الّذي يقبله المؤمن من يسوع الممجّد (39). يتنافى هٰذا الشّرح والقراءة الثّانية، حيث يجري الماء من المؤمن، ويتّفق والقراءة الأولى حيث يجري الماء من يسوع، ويصبّ في قلب المؤمن (أنظر رؤيا 22/1، 17).
3 أح 23/36؛ يو 4/10، 14؛ رؤ 21/6؛ 22/17؛ آش 12/3؛ 43/20؛ 44/3؛ 55/1-3؛ 58/11.
38 حز 47/1-12؛ يؤ 3/1؛ 4/18؛ زك 13/1؛ مثل 18/4؛ يو 19/34؛ 1 قور 10/4.
قال الكتاب: يصعب تحديد النّصّ الكتابي، الّذي يشير إليه الإنجيليّ في كلامه على عيد المظالّ.إنّ النّصوص الكتابيّة، الّتي تُقرأ في هذا العيد، تحتوي نصّين: نصّ حزقيال (47/1-12)، حيث يرى النّبي مياهًا تجري من هيكل أورشليم، فتصير نهرًا يحوّل الأرض عدنًا جديدة؛ ونصّ زكريّا (14/8). حيث يرى النّبي مياها تخرج من أورشليم. ولا بدّ من ذكر موسى، وهو يفجّر المياه من صخرة فيروي شعب الله (خر 17/1-7؛ عد 20/1-13). وكلّ ذٰلك يرمز إلى المسيح (1 قور 10/3-4)، فالمسيح هو الهيكل، وهو الصّخرة. ويرى شرّاح أنّ عطيّة الماء (يو 7/37-38) تتبع عطيّة المنّ (يو 6/31)، كما هي الحال في سفر الخروج (16/1-13؛ 17/1-7).
40 يو 1/33؛ 16/7؛ 20/22؛ رسل 2/4.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقّة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاح بكرم الرّبّ.