"إن انحلال السلطة، ولو قليلاً، لفسادها أو لغلبة سلطة شخصية أو أشخاصية عليها، هو المنشأ الأساسي لكل شقاء".
الكواكبي
يرى المرء مثل هذه المشاهد عادة في الأفلام التي تشترط حضور الأهل: عاشق غيور، مخذول، يقتل غريمه ثم يحاول قتل الآنسة "غرام"، المتحولة من عشق المحكومين الى السترة في ظل مزيّن نسائي. هذا في "قصة الحي الغربي" من بيروت، كما في مسرحية شهيرة في نيويورك. في قصة الحي الشرقي منها، تتوقف سيارة جيب امام مرأب في سد البوشرية، ويترجل منها شبان يتقدم احدهم حاملا مسدسا على طريقة "ستارسكي أند هاتش"، يقتل الرجل الذي في الداخل، ثم يعود، حيث السيارة في الانتظار، وسط الطريق العام.
اما في شرق البلد، لا في شرق المدينة، فيتكرر مشهد كل يوم: مخطوف عائد الى ذويه، إما مع خراف مذبوحة، وإما من دونها، ولكن في الحالين تسجل في باب الاشكالات الامنية وتحال على مجالس العزاء بدل ان تحال على المحاكم. فهي، المحاكم، متعبة للقلب ومثيرة للفتنة (النائمة). لذلك تسوّى الامور بما يرضي الآمر، خوفا على السلم الاهلي المكين (من مكان). ولذلك (للتشديد) يمضي موقوفون خمس سنوات من غير ان يقابلهم قاضي تحقيق، ويخرج موقوف آخر في 5 ساعات بعد مقابلة الدولة برمتها.
يعود السيد مولوي الى طرابلس مع اعتذار وطني. في رواية لأوكتافيو باث، يتقدم الفلاح مندهشا من ببغاء يحكي، وينحني امامه: سامحني يا صاحب السعادة، لقد ظننتك طائرا بادئ الامر! اخطأت الدولة فاعتذرت. هكذا يتصرف المؤدبون وابناء العائلات.
ما حدث في كراكاس يحدث في بلدان كثيرة. تفر عاشقة ويخمر عاشق ويطل عاشق آخر. تحدث المبارزات بالرصاص بين اهل الهيام حتى لرجل مثل الكسندر بوشكين الذي قضى من اجل شرف زوجته. الذي لا يحدث في البلدان الاخرى ان يكون عش الغرام مخزنا للذخيرة والسلاح. وان تستدعي المعركة من اجل الحسناء غرام تدخّل الدرك ثم الجيش حتى الصباح، عندما قتل شهريار وهربت شهرزاد، فيما يخيل الى اهل المدينة ان تنقل اراغن ستالين من طرابلس الى عكار الى الطريق الجديدة الى كراكاس، لا يترك مجالا للشك في ان المرعب قد وقع: عِلقِت!
ليس تماما. اذا أضفت الى المشهد أبواق المواكب الرسمية المتلاحقة، والملحة، أدركت ان المسألة ليست في تلك الخطورة. مجرد صورة من شيكاغو، ليس الفيلم بل المدينة نفسها.
وسط بروز وجود الدولة في عكار وطرابلس، وحضورها الانيس في كراكاس، ورعب الاشتعال في بوسطة حلب، انهمكنا في معاتبة دول الخليج على قرارها منع مواطنيها من التمتع بصيفنا والجبل. لا تصدقوا الشائعات والصور: الجثة المفحمة والمطمورة بالرصاص على شرفة الغرام في كراكاس مجرد إشكال فردي سببه "غرام". هذا هو اسمها. وهذا هو قدرها. وهكذا تحل الخلافات الغرامية في لبنان على طريقة "صراع تحت الشمس": يقتل العاشق والغريم، ولكن عندنا تنجو الآنسة غرام بسبب معرفتها بمخرج الطوارئ في المبنى.
فراغ في السلطة وامتلاء في السياب. شيكاغو. ليست هذه مسؤولية الحكومة وحدها. هذه نتيجة عادة قديمة سيئة، هي خضوع الدولة الهزيلة للاقوياء، وعادة أقدم واسوأ، هي رفض المجتمع لأي شكل من اشكال القانون. عندما اعتقل شادي المولوي في طرابلس، او جهاد زعيتر في البقاع الخصيب، هُدّدت الدولة بإحراق بقاياها على الطرق. هذا الاسلوب في مخاطبتها ليس دليلا فقط على هزالها وغيابها بل ايضا على بجاحة ووقاحة المجتمع الذي نشأت عنه. عندما يسمع الفلتانون كيف يخاطب السياسيون السلطة، وبأي تهزيء، كيف يمكنهم احترامها؟
لم يدمر السياسيون الدولة وحدها، بل اهلكوا التماسك الاجتماعي، المؤدب منه والصادق، بأسيد الطائفية واحقاد المذهبية، وسدوا بالتخلف نوافذ الحياة المدنية والدروب الى الانصهار.
اختصر الوزير مروان شربل الافق المسدود بقوله، لا نستطيع شيئا ما لم يتفق السياسيون. ولعله يعرف، كعسكري وسياسي، ان هذا امر سهل لكنه طريق مممنوع. عاش البلد لحظة ابتهاج غير عادية عندما سمعنا السيد حسن نصرالله يشكر "دولة الرئيس سعد الحريري". واستعد مطار بيروت لاضاءة الزينة في استقبال طائرة سعد الحريري تهبط وعليها الزوار. تدخل الفريق الثالث لاعادة الوجوم الى الجميع. الفرح ليس في قدر اللبنانيين، والراحة ليست في قدر لبنان.
سوف تسمع عشر روايات لا صحة لأي منها. الرواية الحقيقية هي أننا فسيفساء من الكبريت، وان الجميع يتكلون على سرعة اشتعالها. اما الرواية الصادقة، فهي انه لا يمكن الدولة ان تكون افضل منا. نحن شعوب متخلفة ونمارس سياسات متخلفة. في انتخابات حرة اولى منذ الفرعون او "الصرح الكبير" ينتخب المصريون رئيسا لا تحديد لصلاحياته. نحو 25 مليون انسان يقترعون لصاحب اعلى منصب في الدولة من غير ان يعرفوا ماذا يمكنه ان يفعل.
قبل سنة قال لي الشاعر العزيز أدونيس "يلومك المثقفون لأنك تتردد او تمتنع عن تأييد الربيع العربي". قلت له: يا عزيزي انت تعرف، بصفتك صاحب "الثابت والمتحول"، ان الفصول بحصادها إلا الربيع فهو بازهاره. ولم يزهر بعد. واذا كانت الحرية التي يحملها هي حرية الغاء الحريات فلا يعني هذا انني افضل شتاء الماضي الطويل وظلامه وحلكته المطبقة وطغيانه، لكنني لن اتقبّل ايضا اي ربيع بلا جمال، وبلا براغم لوز كالتي كان يخاطبها فرنسيس الاسيزي في تعبّده لله. صحيح انه رب جميع الفصول لكنه خلق الربيع لكي نسترئي مدى رحمته.
عندما عدت الى لبنان من لندن قبل نحو 15 عاما ذهبت أعرب عن مشاعر المحبة والاحترام لصديق قديم. قلت للدكتور سليم الحص إن ما يشغل البال هو ما يجري في البلقان. توقف الرئيس الحص قليلا ثم سأل متعجبا، لماذا؟ قلت لأن العالم يخوض تجربة جديدة في ساحة قديمة. بعد الحرب وحّد تيتو يوغوسلافيا والآن يفتتها رجل يدعى سلوبودان ميلوسيفيتش. أوروبا كلها هناك، كل دولة بعصبياتها الماضية. روسيا مع صربيا. والمانيا مع سلوفينيا. وحتى الفاتيكان يدعم ضمناً كرواتيا. والاميركيون ينتظرون ساعة القطاف. كالعادة.
أصغى الرجل الخلوق باهتمام، لكنه عاد يسأل، ما علاقتنا بالأمر؟ قلت له النظام الدولي، كالقانون، يستند في خبثه الى سوابق يعتمدها حجة. لا احد يشبه البلقان مثلنا. اديان وطوائف وأعراق وأحقاد وأبو الزلف. أسخف زلغوطة تحرك مدينة. ونحن الشعب الوحيد على الارض الذي لا تزال فيه الندّابات، مثل القابلات، مهنة رسمية.
لم يطمئن الرئيس الحص الى هذا التشاؤم. كان قد اعتاد ان يبادلني كل نكتة جديدة بنكتتين. وكان يرى البلقان بعيدا. انتهت في البلقان فبدأت في العراق. صدام يكرر دور سلوبودان. ولم تنته طبعا بعد. صحيح ان العالم كله مجموعات مختلفة. ويقول العلماء إن ايسلندا هي الشعب الوحيد الصافي على الكوكب. ولكن هناك انظمة تحمي هذا التنوع. وهناك تقدم حققه الانسان. لا يمكن ان يحدث في نروج ما يحدث في بوروندي (أغنى وأفقر دولتين في العالم: 475 ضعفاً). وهذا النظام قائم ليس على عجرفة التسامح بل على طبيعية القبول بالآخر. وفي البلدان العاملة بالقانون يحق لنائب ان يطالب بمحاكمة قائد الجيش وليس أبداً باقالته. ويحق لزعيم سياسية القول إن الفاسدين يستحقون السجن، وليس انه سوف يرميهم في الحبس. ويحق للناس ان تتظاهر ولكن ليس بنشر السموم والتلوث واغلاق الطرق وارهاب المدن وارعاب الناس. ناهيك باغلاق طريق المطار في اليوم الذي يسأل رئيس الجمهورية الخليجيين ان يعودوا.
ليس هذا بربيع. الربيع يصنعه الزارعون. يرفعه حاملو الامل. يقلمه اباء الشجر ورعاة الغصون. ينتظره شعراء القمر. يسقيه فرح الخصب. يحرث ارضه الفلاحون وهم يغنون له. نحن لسنا ربيعاً. نحن مجموعة بلاقين (مفردها بلقان). تربة لا يخصب ربيعها إلا عوسج الالغاء. لقد رموا بثوار مصر في الترعة. وحل محل الفاتح من سبتمبر الفاتح من فبراير. واطلت القاعدة بدمائها مكان تسالي علي صالح وتفنيصاته. وأما الربيع في سوريا، فقد الغي كفصل منذ 50 عاما. لكن الناس ترفض ان تفهم ذلك على رغم تلقينات العام الاخير.