لم تعد العلاقة بين النظام السوري والساعين الى دولة سيدة ومستقلة في لبنان، أو المنتفضين على نظام القمع والاستبداد في سوريا، علاقة قابلة للتسالم أو التسوية بعد كل ما تعرّض له الشعب السوري المنتفض من إجرام ووحشية، وإزاء الحرب المستمرة على أحرار لبنان ورموزهم منذ أربعة عقود، وآخر فصولها الترويع الممنهج لأهالي البلدات اللبنانية المحاذية للحدود السورية واستئناف مسلسل الاغتيالات كما يبدو، بمحاولة اغتيال قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع.
لقد أصبح الصراع بين منتفضي 14 آذار 2005 في لبنان، وثوار 15 آذار 2011 في سوريا، ضد النظام السوري لا سيما بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعبان اللبناني والسوري على مدى عقود، صراعاً وجودياً ـ متناسلاً وموروثاً، لا يمكن أن ينتهي إلا بخروج أحدهما من المعادلة: سقوط النظام السوري أو القضاء على انتفاضة لبنان وثورة سوريا. ذلك أن التعايش بات مستحيلاً بين نظام مستبد تعوّد على الإلغاء والترهيب والترويع، وحركتين شعبيتين عارمتين، مصمّمتين على الانعتاق من نيّر هذا النظام، مهما كان الثمن.
تؤشر الانتهاكات اليومية لأمن اللبنانيين واللاجئين السوريين، والمجزرة المستمرة في سوريا التي تضع خطة مندوب الجامعة العربية والأمم المتحدة، كوفي أنان في خبر كان، الى إمعان النظام السوري في استخدام نهجه الأمني تحت شعار "أنا أو لا أحد"!. وفي المقابل، يؤكد استمرار تصاعد حراك أحرار لبنان وثوار سوريا، ضد الحروب الساخنة، والباردة التي تشن عليهم منذ سبعينات القرن الماضي، على تمسكهم بخيار المواجهة حتى إسقاط هذا النظام.
بين أحرار لبنان وثوار سوريا أكثر من جامع؛ فمن هدر دم الأحرار في لبنان هو نفسه الذي هدر ويهدر دم الأحرار في سوريا، وهذا يعني أن الجلاد واحد النظام الأسدي، كما أن القيم التي يكافح الشعبان من أجل تحقيقها أيضاً، واحدة: الحرية والسيادة والكرامة الإنسانية، وأن المصير الذي ينتظر أحرار سوريا في حال بقاء هذا النظام، هو نفسه المصير الذي ينتظر أحرار لبنان. لذا فإن نظرية النأي بالنفس عما يحصل في سوريا، بعد كل ما امتحنه اللبنانيون من تجارب مع النظام السوري وما عانوه من ويلات وكوارث، هي نظرية غبية بائسة أو متآمرة، لأن النظام الذي يرتكب المجازر والمحارق بحق شعبه بالشكل الهمجي الذي يحصل، لن يتوانى في حال عاد وتنفس الصعداء، عن سحق ودوس كل صوت لبناني حر.
ورث الأسد الابن وجماعته فنون القتل والإجرام عن حقبة الأسد الأب وجماعته، وورث كثيرون من أحرار لبنان عن آبائهم وأجدادهم، مشاعر الكراهية لغطرسة النظام الأسدي وقدر مواجهة خبث حروبه الباردة والساخنة ووحشيتها. كما ورثت أجيال من السوريين أنهاراً من الدماء والدموع التي تسببت بها أجهزة النظام السوري على مدى أربعة عقود، هذا النظام الذي يرتكب اليوم، بنسخته الجديدة، ما هو أشد هولاً وفظاعة بحق شعبه الذي أوصلته الممارسات القمعية الى حد الانتفاض وتفضيل "الموت على المذلة".
فمن ديردوريت ـ كمال جنبلاط، وبيروت ـ رفيق الحريري ووليد عيدو وباسل فليحان وجورج حاوي وجبران التويني وسمير قصير، وزغرتا ـ رينيه معوض والصيفي ـ بشير الجميل، والمتن ـ بيار الجميل، وعاليه ـ شبلي العيسمي، وعكار ـ وسام عيد… وعلي شعبان…، ومن زنازين عنجر ومجازر زحلة وطرابلس وأقبية الاعتقال والتعذيب في بيروت وعكار وحمانا وصوفر وصيدا… الى مذابح ومحارق حماة ودرعا وحمص وإدلب وريف دمشق وحلب ودير الزور والقامشلي والسويداء واللاذقية…، المجرم والجلاد واحد: النظام السوري وأزلامه وشبيحته، والضحايا والشهداء والشهود هم أنفسهم أحرار لبنان وسوريا المسلمين والمسيحيين والأكراد والعلويين والدروز.
في مراجعة موضوعية للصراع القائم بين النظام السوري بنسختيه القديمة والجديدة، ومعارضيه في لبنان وسوريا، يتضح أنه صراع أضداد على المستوى القيمي والأخلاقي كما على المستوى السياسي والفكري والثقافي. فأربعون سنة من القهر والتنكيل والترويع، والحروب الباردة والساخنة على أحرار لبنان وسوريا، جعلت المواجهة بينهما مواجهة وجودية واحدة، غير قابلة للتفاوض أو المهادنة. ذلك أن صراع الأضداد التناحري، العميق والمديد يجعل من المستحيل أن يتعايش أحدهما مع الآخر: فإما ينتصر ربيع الأحرار في لبنان وسوريا وتنتصر معه قيم التنوع والكرامة الإنسانية، وإما يبقى النظام الأسدي وعندها على الكرامة والتنوع السلام!