
(الصورة من صحيفة "النهار")
كتب دانييل خياط في صحيفة "النهار":
لم تمنح الدولة رامي عدنان الاسمر الجنسية، لكنه بات جزءا من التراب اللبناني الذي ووري أول من امس جثمانه فيه. قضى رامي عن 21 سنة، مارس خلالها حياته، اشتغل وتزوج وأنجب رنيم وعدنان، لكنه لم يكن يملك ما يثبت وجوده قانونا، الا ورقة مختار تعرّف عنه. رامي مكتوم القيد. لبنان بلد ذو سيادة على كامل ترابه ضمن حدوده المعترف بها دوليا. لكن الحدود اللبنانية تحتاج الى ترسيم، فيطابق الورق الارض، ويحسم كل نزاع حدودي ميداني. "الحيط الواطي كل الناس تقفز فوقه"، في القاع كما في الطفيل، الى دير العشائر وكفرقوق وغيرها من المناطق الحدودية حيث الاراضي اما غير ممسوحة واما غير مفرزة. في عام 2005 انسحب الجيش السوري من لبنان، وحافظ على قواعد عسكرية له في كفرقوق ودير العشائر، الامم المتحدة التي تحققت من انجاز الانسحاب السوري، لم تفصل في قضيتي كفرقوق ودير العشائر. قيدتها اراضي متنازعا عليها، وتركتها لترسيم الحدود. بلدية كفرقوق جمعت كل الوثائق التي تثبت حقوقها، 7 سنوات مرت، لم تنقطع خلالها المعزوفة السياسية عن ترسيم الحدود مع سوريا، من دون ان تقدم الدولة على انجاز ملف مسح الاراضي وضمها وفرزها. في دير العشائر كما في كفرقوق مساحات شاسعة محظورة على مالكيها، بسبب هذا الوجود السوري.
لا وجود لرامي في قيود الدولة اللبنانية، لكنه كان يحتاج الى ان يعمل ليعيش، ويعيل عائلته. ومن لا وجود له في القانون، يعمل في اللاشرعي، في الخلسة، في التهريب. رامي العامل في محطة وقود في عزه – البيره في قضاء راشيا، كان يشتغل ايضا على خط تهريب البضائع الى سوريا والمازوت منها، لقاء اجرة عن كل رحلة. والتهريب على هذه الحدود يشمل كل ما تطلبه السوق، من أجهزة كومبيوتر الى عبوات العطور الفارغة والثياب المستعملة "البالة"، التي كانت الحمولة، التي خرج رامي مع ناصر عربي وبلال زين الدين، ليل الاحد الفائت، في رحلة تهريب لايصالها الى سوريا والعودة بمازوت. كانت الرحلة الاخيرة له. قتل في مكمن للجيش السوري، اصابته الرصاصات في الجهة اليمنى من صدره وأعلى كتفه اليمنى ومؤخرته وفق تقرير الطبيب الشرعي علي سلمان. تمكن بلال من الفرار واعتقل ناصر.
رامي يعمل في التهريب، ولبنان لم يرسّم حدوده مع سوريا، لكنه ورفاقه لم يجتازوا الحدود السورية ولا حتى اقتربوا منها، الجيش السوري توغل نحو 8 كيلومترات داخل الاراضي اللبنانية وأقام مكمنه، في وادي ابو علي التابع عقاريا لبلدة كفرقوق، التي تبعد عن الحدود 10 كيلومترات، وفق ما يؤكد رئيس البلدية عصام سرايا. رئيس البلدية عازم على اتخاذ تدابير يحدّ فيها قدر المستطاع التهريب عبر حدود بلدته، فيجنبها المشكلات.
عاش رامي مكتوم القيد، ليقيد مقتله في سجل التحقيق وعلى صفحات الجرائد، ضحية جديدة من ضحايا الجيش السوري، بنيران سوريا التي تعدت حدودها، ولن يحاسب احد على مقتله.
رامي كان موجودا، وان لم تعترف به الدولة، له أم وأخت تبكيانه، وزوجة يمدّها مصل بالقوة لتحمل مصابها. والده واشقاؤه الثلاثة سيروون لرنيم ابنته، وعدنان ابن الـ8 اشهر عن حياة والدهم، ويعلمونهم كيف يعيش مكتومو القيد.
لبنان له حدود قد تحتاج الى ترسيم، لكن الخطوط الحمر ترسمها الارادة السياسية، والسيادة ليست مسألة ورق.