
القس حُصني… وبين اليدين "كتاب الحياة".
كتبت هالة حمصي في صحيفة "النهار":
المشكلة تُختَصر بكلمتين: "أسلمة الإنجيل" او "قرأنته"، و"بيت القصيد" ترجمات جديدة لاناجيل، منها بالعربية، تُوَزَّع على نطاق محلي واقليمي وعالمي، وتَحذِف كلمات او تستبدلها، كالآب والابن وغيرهما، بما يؤدي الى تشويه العقيدة المسيحية، وتقديمها على غير حقيقتها الى قراء مسلمين وغير مسلمين. وفوق كل ذلك، تُغيِّبُ اسمَ "يَسُوع"، وتجعل العِمادَ "تَطهيرًا"، والقيامة "إنبعاثًا"، وتغيِّر "سرّ" عشاء الفصح برمته!…
وراء هذه الاصدارات، تقف مؤسسات أجنبية كبيرة. ومن يقف في مواجهتها لبناني، انجيلي اطلق حملة عالمية، ومعه عدد من الرفاق. واي نية للتراجع ليست واردة. هو جورج حُصْني، مسيحيٌّ من زغرتا، قسٌّ ورئيس منظمة "آفاق العالمية"(1). واسمه معروف جيّداً، لارتباطه بالترجمة التفسيرية العربية للعهد الجديد الصادرة عام 1982 بعنوان: "كتاب الحياة".
اما المؤسسات الكبيرة المشار اليها، فهي تحديدا Wycliffe(2)، SIL، وFrontiers "التي اصدرت ترجمات للإنجيل تحذف منها كلمات الآب والابن وابن الله، بحجة ان هذه العبارات معادية للمسلمين"، يقول بيان للحملة التي يقودها حصني(3). "Wycliffe وSIL نشرتا "قصص الأنبياء"، وهو إنجيل بالعربية يستخدم عبارة "الرب"، عوضاً عن "الآب"، و"المسيح" عوضاً عن "الابن".
كذلك اصدرت Frontiers مع مستشار لدى SIL كتاب: "المعنى الصحيح لإنجيل المسيح"، وهو ترجمة عربية جديدة للانجيل، حذفت منها كلمة "الآب" واستبدلتها بـ "الابن"، أو بكلمات مختلفة. وأنتجت ايضا Frontiers ترجمة بالتركية لإنجيل متى، وتولت SIL توزيعه، واستخدمت كلمة "وليّ" عوضاً عن الآب، و"الممثل" او "الوكيل" عوضاً عن "الابن". وتولت ايضا SIL مراجعة "الإنجيل الشريف البنغالي" الذي استخدمت فيه كلمة "المسيح" بدلا من "الابن" و "مختار الله حبيبه الفريد"، بدلا من "ابن الله".
هذان الحذف والاستبدال لكلمتي الآب والابن من الانجيل يرى فيهما حصني "حجبًا لطبيعة الله وألوهية يسوع المسيح، وبالتالي إلغاء لمفهوم تضحية الله بنفسه من أجلنا". على سبيل المثال، تَرجَم كتاب "المعنى الصحيح لانجيل المسيح" متّى 28/19 من "وعَمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" الى "وطهّروهم بالماء باسم الله ومسيحه وروحه القدوس". فأين الآب والابن في هذه الآية المهمة؟".
القطبة التي "حيكت" بها تلك الاصدارات اسلوب جديد في الترجمة، "يرتكز على اهمية ان يتقبل القارىء المستهدف الفكرة المنقولة اليه". تلك "الفلسفة الجديدة" يسوّقها لغويون عالميون، بدلا من الترجمة الحرفية. ولاتمام المهمة، تمّت الاستعانة بمسلمين، "ليترجموا الاناجيل الى مسلمين، ليس بلغتهم العربية فحسب، انما ايضا بلغتهم الدينية"، يشرح حُصْني.
وكانت نتيجة الامر، استخدام تعابير اسلامية، بدلا من المسيحية، "ارضاء للمسلمين، وكي يتقبلوها". فحُوِّلت المعمودية "تطهيرا"، "لكون المسلمين يفهمون مدلوله"، واستُبدل اسم يسوع بـ"عيسى (سلامه علينا)"، وعُرِّفَ تلاميذه بالـ"حواريين"، وصار الآب "الله، و"ابن الله" "حبيب الله"، و"ابن الانسان" "سيّد البشر"، و"ابي وابيكم" "وليّي ووليّكم"، و"رابوني" "مولاي"… و"خذوا فكلوا هذا هو جسدي… وهذا هو دمي" (متى 26/26) "هذا الخبز صورة جسدي… وما في هذه الكأس رمز الى دمي…"، والقيامة "انبعاثًا من الموت". وثمة امثلة اخرى كثيرة.!
باختصار، "انها اسلمة للانجيل او قرأنته"، يقول حصني. "لقد صار الانجيل يشبه القرآن، لكنه ليس قرآنا. تبقى الافكار المسيحية اياها، لكن مع تغييب بعض معانيها الرئيسية". وهذا يعني ايضا "تحويرا كليّا لكلام السيّد المسيح"، يحذر. والاكثر ان "هذه الترجمات تؤكد للمسلمين ان المسيحيين يُحرِّفون كتابهم المقدس- واتهامهم لهم بالتحريف امر سابق- مع ان الكتاب المقدس لم يُحرَّف اطلاقا طوال الفي عام".
هذه الانتقادات صارح بها حصني، برفقة لجنة، رئيس مجلس ادارة "Wycliffe" بوب كريسون ومسؤولين في المؤسسة خلال اجتماع معهم في 5 ايلول 2011. "ابدينا رأينا، وهم شرحوا طريقتهم في العمل… لكن تبيّن انهم يريدون المماطلة… لم يسمعونا، لانهم مقتنعون فلسفيا بان طريقتهم في الترجمة صحيحة". وهذه الطريقة يسميها كريسون "Dynamic equivalent Translation". ويقول في معرض دفاعه عن مؤسسته: "يقول الناس اننا نحاول تقديم ترجمة لا تزعج المسلمين. وهذا الامر ليس صحيحا. نحن ملتزمون ترجمة كلمة الله في شكل دقيق. هذا هو مبدأنا الاعلى". Wycliffe الشهيرة معنية باكثر من 1500 برنامج لترجمة الكتاب المقدس في نحو 90 بلدا. ويشرح رئيسها ان "التعابير المألوفة لطلاب اللاهوت، مثل الله الآب وابن الله، لا تجد معنى لها في ثقافات اخرى لدى ترجمتها…ويمكن اشخاص من تلك الثقافات ان يرفضوها".
ايا يكن الأمر، فان الاعتراض على هذه الترجمات تردد صداه على مختلف المستويات، وكبر ككرة ثلج. الكنيسة المشيخية في اميركا اكدت رفضها لها "لانها غير أمينة لكلمة الله، وتعرّض عقيدة الثالوث الأقدس للانتهاك، وتفرّط بعقائد عصمة الكتاب المقدس وببنوية يسوع وعمله". كذلك، اعلنت احدى اكبر التجمعات الخمسينية "The Assemblies of God" ("جماعة الله" وتضم نحو 60 مليون عضو) انها ستعيد النظر بعلاقتها القديمة بـWycliffe.

احدى الترجمات المشكو منها: "الكتاب الصحيح لإنجيل المسيح".
ولحصني، كان لا بد من اطلاق حملة على الانترنت تدعو الى وقف هذه الترجمات. وقد حصدت منذ بدأت في 5 كانون الثاني 2012 نحو 13,606 آلاف توقيع(4). وكان من نتائجها الاولى اعلان "التحالف الانجيلي العالمي" (WEA) "تشكيل لجنة مستقلة برئاسة الرئيس الفخري لمعهد غوردون –كونويل اللاهوتي الدكتور روبرت كولي، تعيد النظر في تلك الترجمات"(5).
ومن مهماتها ايضا، "مراجعة طريقة الترجمة المعتمدة من تلك المؤسسات، ووضع اسس لمنهجية الترجمة المقبولة لاهوتياً، خصوصاً في السياق الاسلامي". ويقول مدير الاعلام في التحالف تيموثي كريستيان غوروبفزيك لـ"النهار" "ان التقرير النهائي للجنة سيجيب عن كل التساؤلات، وسيكون في المتناول بعدما تجري اللجنة تحليلا دقيقا وواسع النطاق".

مقتطف من متى 28: "وطهّروهم بالماء باسم الله ومسيحه وروحه القدس".
Wycliffe رحبّت باللجنة، متنظرة إجتماعها. كذلك، يترقبها حُصني "ونراقب ونترصد اخبارها"، على قوله، من دون ان يخفي شكوكا لديه حيال "اختيار بعض الاعضاء، "بناء على معرفتهم بهم واطمئنانهم اليهم". في غضون ذلك، تتواصل حملته، على مختلف المستويات، وينظم مؤتمرا بهذا الخصوص في نيويورك من 19 الى 23 حزيران 2012. "هدفنا ثقافي توعوي، والوصول الى حل. ويكون الحل بمعرفة الحق والباطل"، يقول.
ما يعرفه ان هناك برامج لترجمات اخرى بالاندونيسية والبنغالية والماليزية والتركية… وثمة ايضا نية "لترجمة عربية للعهد القديم". واذا صدرت على غرار سابقتها، "ولم تتراجع "Wycliffe" وغيرها عن خطئها"، فان الحملة ستشتد، وسيبقى الموقف حازما: "هذه الترجمات لن تفيد المسلم، لانه سيجد فيها خداعا وكذبا. ولن يقبلها ايضا المسيحي، لانه لن يجد فيها الكلمة التي احبّها طوال 2000 عام، وسيفتقد فيها الى وجه الله الحنون".