انتهى الامر. نأت بنفسها وخلصت الحكاية. الدولة، امنا وأبينا وراعيتنا وآكلة خبزنا، أعلنت النأي وارتاح ضميرها انها ابلغت. أشهد اني بلغت. وبناء عليه تركت للرعايا تدبير أحوالهم بما توافر. أعلنت النأي وهي على مسافة العين من الوجه، فكيف نأت؟! لا يحتاج البعد الى مسافات شاسعة أحيانا، يكفي أن يبتعد القلب لتقف كل مساحات الدنيا عائقا. بيننا والدولة هذه "الدنيا". تركت لنا كل الشيء. "الحرية" في كل شيء. هي مع الديمقراطية وحرية الفرد المطلقة. حتى القانون تسامحت به وتركته لنا استنسابيا ومناطقيا مذهبيا. رفعت العشرة وقالت افعلوا ما يحلو لكم فانتم أبناء البلد وهي لكم حلال. وبدأ المواطنون تنفيذ الوصية. صارت الارض مشاعا لنا بالحلال الشرعي الرسمي المحلل، ولا داعي لاوراق ثبوتية ودوائر عقارية أو ما شابه، من يشاء يستولي على قطعة من جبل ويحوّلها الى أنفاق، ومن يستحلي يبقر بطن الارض ويطمر فيها الكابلات، ومن يحب يحوّل الهواء الى هوائياته، ومن يعنّ على باله يقفل شارعا ويعلنه امارته الموقتة واعدا الجماهير أن تتوسع حدود الامارة في القريب العاجل…
نأت الحكومة بنفسها وارتاحت وتركت لنا حكم الشوارع والازقة وأيضا حمايتها، جيش لكل شارع، وتركت لنفسها أيضا حرية التصرّف بشؤون الناس والتحكّم بهم وبمصالحهم عن بُعد. صرنا أجهزة، أدوات تعمل على الريموت كونترول وهم يوجهوننا كما يهوون.
نأت بنفسها عن القضايا المصيرية الكبيرة، وانصرفت الى ما يمكن أن تغرفه من مغانم في جمهورية علي بابا. نحن نتولى أمنها وحمايتها وتوفير رغدها وعيشها الكريم، الكريم بافراط، ونسهر على لياليها بينما تغط هي في النوم العميق. هي تشخر ونحن نسكر من الشخير العذب، حرام هي متعبة الا يحق لها ببعض الراحة؟ بعطلة طويلة من شجون أبنائها التي لا تنتهي؟
نامت ونأت، وفيما هي توغل في النوم والنأي، جاء السارق، السارقون. وصل المحتل. المحتلون الجدد والقدامى، أشعلوا الفتيل، اجتاحوا الشوارع، نهبوا الجبال، سرقوا الجمال، نشلوا الخيرات، بنوا الجمهورية الاخرى، خطفوا قتلوا نهبوا كسروا الحدود، كل الحدود… والحكومة تنأى بنفسها. قدمت استقالتها من وجع الارض والناس انما من دون ورقة استقالة رسمية، كي تبقى يدها الطويلة في قلب المعجن تنهب الطحين. نأت بنفسها عن مجزرة شعب بكامله فهل ستتوقف عند حوادث "فردية" هنا أو هناك، ومقتل فلان وعلتان، أو حروب الشوارع هناك وهنالك في زوايا الجمهورية العفنة؟
انتهى الامر، ارتاحت فيما تصلها الاوامر الطازجة والمعلّبة إما من السفارة الشقيقة ومندوبها غير السامي، أو من الضاحية وواليها. أوامر عابرة للمسافات تعبر بها الى يوميات العبيد والبلاط والحاشية. العالم يشلح عنه عارا دبلوماسيا فيطرد سفراء سوريا، ولبنان يكرّمه ويمنحه وسام الاستحقاق من درجة المحتلّ الرسمي لشارع لبنان، ويستقبله في دوائره الرسمية كما لو كان هو ربّ المنزل!!
انتهى الامر لما عذاب النفس والقهر؟! نأت الحكومة بنفسها عن الوطن ونأينا بنفسنا عنها. هي في واد ونحن في اخرى والجحيم ما بيننا. على الاقل الجحيم. فماذا يفعل يتيم حين تضيق به سبل الحنان؟ ماذا يفعل وحيد حين يتخلّى عنه كل من حوله؟ الى أين يلجأ محتاج حين تُسدّ في وجهه كل الابواب؟ نحن كل هؤلاء، نحن بلا دولة ترعانا بحنان الاهل، دولة تتركنا في وجه الريح، وكلما ضاعت عن سبل الكرامة تنأى بنفسها لترتاح. دولة تدفعنا عمدا وقسرا ودفعا لاختراع دويلاتنا الصغيرة، علّ تلك الدويلات تحقق الاحلام الصغيرة، اذ ما عاد من مكان لدينا للاحلام الكبيرة، اندحرت.
نأت بنفسها وانتهى الامر، هي أعلنت استقلالها عنا، ونحن ما علينا الا اعلان حرب تحرير تعيد الارض لاصحابها، وننتشل من براثنها التي لا تظهرها الا لابنائها، الحق بالكرامة… ونشهد اننا بلّغنا…
